: آخر تحديث

التحرّر من الفكر السياسي التقليدي يُنقذ العالم من التهام نفسه

3
3
3

توجيه الاتهامات للسياسة الغربية مفتوح على آفاق لا تحدّ، ولذلك أسباب كثيرة لا تحتاج إلى استدلالات معقّدة، وربما يكون من أبرزها كيلُها بمكيالين إزاء قضايا الشعوب الضعيفة. ثمّة ما يمكن أن نطلق عليه البراغماتية التنافسية التي تتجرّد من الأبعاد الأخلاقية والإنسانية حدّ العراء. قد يعود ذلك إلى أن سياسة الغرب، ونقصد بها أوروبا الغربية وأميركا، تعيش تحوّلات مستدامة، فهي وليدة تطوّر عصر التكنولوجيا المتفجّرة الإبداع الدائم.

لقد أصبح مفهوم الدولة الغربية يفرض سياسة ملائمة لتبدّلاتها التي تستجيب لتطوّرات التكنولوجيا وحاجاتها، وهذا يعني من غير استدلالات عقلية أن سياسة الغرب تمثّل التوحّش المادي الأشرس في تاريخ الحضارات الإنسانية، وتغيب عنها الأخلاقية الإنسانية التقليدية لصالح الأخلاق التجارية المحضة. وبتعبير آخر، تمارس هذه السياسة نرجسية استغلالية بالغة. وربما لا نلمح غير الشعارات البراقة في الدعوة إلى نمط أخلاقي من جنس نمط تلك النرجسية، لذلك تُتّهم تلك السياسة بموت الضمير الإنساني، وصور هذه الحالة نعيشها يومياً في تعامل تلك السياسات مع أزمات العالم، في ممارسات متجرّدة من العدالة الإنسانية لصالح عدالة النرجسية.

يوازي تحوّلات الفكر السياسي في الغرب الانفجار المعرفي في هذا العصر، لكنه مضبوط في مجرى تلك النرجسية السياسية. الفكر السياسي في الغرب، بالرغم من أنه المادة الرئيسة لاستراتيجيات سياستها، لكنه مادة خام، يصنعه صنّاع في مختبر كيمياء تلك النرجسية، فيُخلّصونه من بعده الأخلاقي.

لقد نبّهت بحسم "حنة آرنت" إلى الأنياب الوحشية التي ترسم بها أوروبا خريطة صعودها الشمولي وهيمنتها التاريخية. وترجع أهمية نداء "حنة آرنت" إلى أنها إحدى أهم مفكري القرن العشرين وأكثرهم إثارة للجدل والحوار في الفكر السياسي الغربي. وتتمركز دعوتها إلى أن الحرية تبدأ من القدرة على التفكير المستقل. وأكّدت أن الجرائم الكبرى في القرن العشرين لم تنتج فقط عن أنظمة قمعية، بل عن أشخاص توقّفوا عن التفكير. ولذلك أُطلق عليها "المفكّرة التي أرادت إنقاذ التفكير".

أرادت "حنة آرنت" أن توجّه التطوّر الحضاري التكنولوجي إلى خدمة الإنسانية، لا إلى عبودية الإنسان له، لأن العبودية لثورة التكنولوجيا البركانية توقظ وحش الاستبداد القابع في روح النرجسية التنافسية للسياسة، وفي أعماق الإيديولوجيات بشتى منابعها وممارساتها. وإنقاذ العالم من نموّ هذا التوحّش ينطلق من صياغة تفكير سياسي مخترِق نحو أخلاقية إنسانية تُلجم وحش التنافس المادي.

لاقت أفكار "حنة آرنت" استجابة لدى المفكّرين السياسيين، لكنها لم تحظَ بتقدير صنّاع السياسة. وكان من أبرز مناصري دعوات "حنة" الباحثة الأميركية "سامانثا روز هيل"، التي رأت أن أفكار "حنة آرنت" إرث سياسي حضاري يُنقذ العالم من توحّشه، فهو إرث لا يكمن فقط في نقد الأنظمة الاستبدادية، بل في دعوتها إلى استعادة التفكير بوصفه فعلاً يتحمّل الإنسان من خلاله مسؤوليته الفردية. وأفردت "هيل" سياقاً حيوياً للفكر السياسي الذي يستمد أصوله من تراث النقد السياسي الإنساني في فكر "حنة"، وقالت: "تُظهر لنا آرنت كيف نعيد التفكير في العالم، ونحرّر أنفسنا من تقاليد الفكر السياسي، ونمارس النقد من دون الخضوع للإيديولوجيا. فقط حين نفعل ذلك يمكننا أن نحبّ العالم".

إن أفكار "حنة آرنت" تنطلق من قلق فكري تجاه عالم آيل إلى توحّش يُحتّم عليه أن يلتهم ذاته. فالعالم في ظل سياسات النرجسية التنافسية يتحوّل إلى ميكانيك يطحن عظام ذاته، والخلاص منه يكمن في إعادة صياغة التفكير السياسي وفق أبعاد أخلاقية. فثروة العالم في إنسانيته لا في توحّشه التكنولوجي الذي يحوّله إلى وحش كوني. وتحويل هدف التطوّر التكنولوجي من خدمة ذاته في افتراس العالم إلى حارس أمن الإنسانية، تلك هي القضية، وتلك هي فضيلة الفكر السياسي الإنساني الذي نحتاج إليه حارساً لأمن حضارة العصر.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.