لم تكن الأيام الستة التي جمعتني برشيد الخيون في أروقة المنتدى السعودي للإعلام مجرد حضور لفعالية أو تكرار لطقوس المؤتمرات التي اعتدناها في حياتنا المهنية، بل كانت تجربة أعمق بكثير، أقرب إلى رحلة داخل العقل قبل أن تكون جولة في قاعات المنتدى. مع الخيون لا تبقى الأشياء كما هي، لأن الرجل لا يتعامل مع الزمن كمسار خطي، بل كطبقات تتداخل فيها الذاكرة مع الحاضر، والفكرة مع التجربة.
في اليوم الأول كان اللقاء أشبه بإعادة تعريف نقطة البداية، لم نتحدث عن الإعلام مباشرة، بل عن التاريخ، وكأن الخيون أراد أن يذكّرني بأن الإعلام بلا ذاكرة يتحول إلى مجرد صدى لحظي. تحدث عن الروايات التي تصنعها السلطة، وعن الخرافات التي تلبس ثوب الحقيقة حين يغيب السؤال. شعرت أنني لا أحضر منتدى إعلامياً بقدر ما أخوض مراجعة داخلية لسنوات طويلة قضيتها في الميدان.
اليوم الثاني أخذنا إلى صلب التحولات الإعلامية. كان واضحاً أن التقنية لم تعد القضية الأساسية؛ الذكاء الاصطناعي، المنصات، البيانات، كلها أدوات. الخيون ركّز على العقل الذي يستخدم هذه الأدوات. قال إن الإعلامي إن لم يمتلك رؤيته الخاصة سيصبح تابعاً للخوارزميات، لا صانعاً للرواية. كانت ملاحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها ثقيلة المعنى، خصوصاً في زمن يختلط فيه الخبر بالصناعة.
أما اليوم الثالث فكان الأكثر إنسانية. جلسات طويلة خارج القاعات الرسمية، حديث عن التصوف، عن الأيديولوجيات، عن التاريخ الذي يُكتب أكثر مما يُقرأ. هنا ظهر الخيون كما عرفته دائماً، حفّار الزمن الذي لا يجمّل الماضي ولا يشتمه، بل يحاول فهمه. كان حديثاً بلا تكلّف، لكنه ممتلئ بالأسئلة التي لا تهدأ.
اليوم الرابع حمل طابع التأمل. كثافة الفعاليات كانت تدفع الجميع إلى السرعة، لكن الخيون اختار الإبطاء. قال لي إن الإعلامي الذي لا يعرف قيمة الصمت لن يفهم قيمة الكلام. في زمن السبق والانتشار، بدت الجملة وكأنها تحذير من الوقوع في فخ الضجيج. أحياناً، الصمت ليس ضعفاً بل مساحة لرؤية أوضح.
في اليوم الخامس تحوّل الحديث إلى المستقبل. لم يكن تفاؤلاً ساذجاً ولا تشاؤماً متشائماً، بل قراءة واقعية. المنطقة تدخل مرحلة إعلامية جديدة، والرياض تحديداً أصبحت مركزاً لهذا التحول. ناقشنا العلاقة بين الإعلام والاقتصاد والسياسة، وكيف لم يعد الإعلام تابعاً لهذه المجالات بل شريكاً في تشكيلها.
ثم جاء اليوم السادس، والأكثر خصوصية بالنسبة إليّ. بعيداً عن القاعات والكاميرات، اقترح الخيون أن نمشي. هو يعرف هوسي القديم بالمشي قبل أن تُبعدني الإصابة عن هذه العادة، مشينا طويلاً، بلا جدول أعمال ولا نقاش رسمي. الحديث كان أخف، لكنه أعمق. استعدت إحساساً كنت قد نسيته، أن المشي ليس حركة جسدية فقط، بل ترتيب للأفكار، ومصالحة مع الذات. أدركت يومها أنني هجرت عادة كانت تمنحني صفاءً نادراً، وربما كنت بحاجة لمن يذكّرني بها.
ما خرجت به من هذه الأيام الستة لم يكن مجرد أفكار إعلامية أو نقاشات فكرية، بل إعادة توازن. الخيون لا يعطيك إجابات جاهزة، يتركك أمام السؤال حتى تتصالح معه. وهذا، في رأيي، جوهر أي تجربة فكرية حقيقية.
المنتدى السعودي للإعلام كان منصة مهمة بلا شك، لكن القيمة الأكبر بالنسبة إليّ كانت في تلك المساحة الإنسانية التي خلقتها هذه الأيام. شعرت أن الإعلام، بالرغم من كل ما يقال عن تقنيته وبرودته، ما يزال فعلاً إنسانياً يقوم على الحس والوعي قبل الأدوات.
وربما لهذا غادرت أروقة المنتدى بإحساس مختلف. ليس إحساس المشاركة في حدث ناجح فقط، بل إحساس الشاهد على لحظة مراجعة شخصية. ستة أيام مع رشيد الخيون أعادت ترتيب كثير من الأفكار، وأعادتني أيضاً إلى عادة المشي التي كنت أظن أن الإصابة سرقتها مني. أحياناً لا تحتاج إلى أفكار جديدة بقدر ما تحتاج إلى من يذكّرك بما كان جميلاً فيك قبل أن تزدحم الحياة.


