في كل مرة يحاول فيها الإنسان أن يفكك شخصية أدولف هتلر، يعود السؤال نفسه بإلحاح: هل كان شريرًا باختياره الكامل؟ أم أن في داخله خللًا ما، تشوّهًا خفيًا، ساهم في صناعة ذلك الجنون الذي غيّر وجه التاريخ؟
في السنوات الأخيرة، طُرحت فرضيات مثيرة للجدل، تتحدث عن فحوصات حمض نووي نُسبت إلى بقايا يُعتقد أنها تعود لهتلر، وتشير بحسب هذه الروايات إلى احتمال إصابته باضطراب نفسي أو عصبي ذي طابع تجريبي، اضطراب لا يُفسر وحده الجرائم، لكنه قد يضيء زاوية مظلمة في تركيبته الذهنية. ليست المسألة هنا إثباتًا علميًا نهائيًا، ولا محاولة لتبرير ما لا يُبرَّر، بل محاولة إنسانية مؤلمة لفهم كيف يمكن لعقل بشري أن ينزلق إلى هذا الحد من التدمير، وكيف يمكن لفكرة واحدة، حين تستقر في ذهن مريض أو مختل، أن تتحول إلى آلة قتل جماعي.
الحديث عن الحمض النووي لا يعني البحث عن عذر، بل عن جذور. الجذور لا تُبرئ الشجرة السامة، لكنها تفسر لماذا نبتت بهذا الشكل. الاضطراب التجريبي، كما تصفه بعض النظريات، لا يجعل صاحبه فاقدًا للعقل بالكامل، بل يمنحه قناعة مطلقة بأفكاره، إحساسًا زائفًا بالعظمة، وقدرة على تبرير العنف بوصفه ضرورة تاريخية أو رسالة خلاص. وحين يجتمع هذا الاضطراب مع خطاب كراهية، وظروف سياسية منهارة، وجمهور يائس يبحث عن بطل، تكون النتيجة كارثية.
ما يثير القلق حقًا ليس هتلر بحد ذاته، بل الفكرة التي تليه: أن الشر قد لا يكون دائمًا نتيجة وحشية صافية، بل أحيانًا نتيجة عقل مختل مُقنع، قادر على تحويل الوهم إلى عقيدة، والمرض إلى مشروع دولة. وهنا يصبح فحص الحمض النووي، إن صحّت نسبته، رمزًا لا نتيجة. رمزًا لمحاولة البشرية أن تفهم نفسها، أن تفتش في الخلايا عن إجابة لسؤال أخلاقي أكبر: كيف نمنع تكرار هذا الجنون؟
لكن الخطر يكمن في مكان آخر، في أن نُسقط المسؤولية على الجينات وحدها، في أن نقول: "كان مريضًا"، ونغلق الملف. لأن الحقيقة الأشد إيلامًا هي أن هتلر لم يكن وحده. كان هناك من صدّقه، ومن تبعه، ومن صمت، ومن برّر، ومن نفّذ.
ولو كان المرض وحده هو السبب، لما احتاج إلى أمة كاملة لتتحرك خلفه. لذلك، فإن أي حديث عن اضطراب محتمل، أو فحص جيني، يجب أن يكون مدخلًا للنقاش، لا خاتمته. نقاش حول خطورة تقديس القادة، وحول هشاشة المجتمعات حين تُدار بالخوف، وحول مسؤولية الإنسان حين يرى الجنون يتكلم بثقة.
ربما لن نعرف الحقيقة الكاملة أبدًا. ربما سيبقى الحمض النووي صامتًا، أو مشكوكًا فيه، أو مفتوحًا على التأويل. لكن ما نعرفه يقينًا هو أن الشر لا يبدأ في المختبر، بل في اللحظة التي يتوقف فيها العقل عن السؤال، ويتوقف الضمير عن الاعتراض. وهنا، لا يصبح السؤال: هل كان هتلر مصابًا بهذا الاضطراب؟
بل يصبح السؤال الأخطر: كم "هتلر" يمكن أن يولد من جديد، إن لم نتعلم كيف نميّز بين القيادة والعطب، بين الكاريزما والجنون، وبين الصمت والتواطؤ؟


