: آخر تحديث

المشهد الإعلامي العربي اليوم

4
5
3

يعاني الناتج الإعلامي العربي اليوم التشتت الفكري بسبب معاناة بعض الدول العربية، التي وقعت ضحية مشاريع غربية لضرب التوافق العربي، وإضعاف قوة الصوت العربي أمام قوى دخيلة ومحتلة، مما أثر سلبًا على الصورة العامة، وجعل للحقيقة وجهين، وأصبح المشهد الإعلامي العربي غير متوازن ومتضارب، ليس باختلاف المصالح أو الأيديولوجيات، ولكن بسبب الرسائل التي تعتمد على نظريات نفسية وإعلامية، وتعتمد على إمكانيات تقنية متطورة وخوارزميات للعبث بالعقول والحقائق، وتوجيه الرأي العام في الدول المستهدفة نحو قناعات محددة وموقف مختار.

ولقد تسببت الأزمات الداخلية المختلقة والمتوالية في تلك الدول تحديدًا في التأثير السلبي على الوعي العربي الجمعي، مما انعكس على قراءات الإعلاميين العرب للواقع الوطني والقومي لديهم. وجاء تأثرهم وفهمهم غير الواضح لمجريات الأحداث بسبب الضعف في الإمكانيات المتاحة لهم تارة، أو الاستقطابات من قبل قوى مضادة تارة أخرى، أو بسبب قوة التأثير الإعلامي المسيطر على ذهنية الإعلاميين بمختلف أطرافهم ومشاربهم. فكان لذلك أثر في عدم صياغة موقف إعلامي قوي ضد كل مرتزق أو عابث يخترق الحدود مدججًا بسلاح حديث، ومدعوم بمنظومة قتل فتاكة، وتتقدمه آلة إعلامية نشطة، وتسانده دول غامضة وأخرى ظاهرة للعلن دون خجل أو إدراك.

عندما ننظر إلى أي واقعة تحدث على الأرض ونحلل التقارير الإعلامية التي تناولت الحدث ونقرأ الرواية من طرفي الصراع، ندرك حجم المأساة التي يعاني منها الإعلام العربي في تلك الدول المتضررة بسبب قوة تأثير الرسائل ضدهم، والعبث بالحقيقة الذي تمارسه قوى إعلامية متطورة وتزوير الصورة الذهنية. ولا نستغرب عندما ننظر إلى الجلاد وهو يتحدث في ثوب الضحية.

وإذا أخذنا حادثة الفاشر مثلًا، أو استهداف المساعدات الأممية، أو أخذنا صورًا أخرى مشابهة، سنفهم أن المشهد الإعلامي العربي يحتاج إلى صحوة ضمير، خاصة أننا بتنا نلمس وجود أصوات إعلامية ناشئة تتطلع للحقيقة، وتأمل أن تساهم في نهضة بلدانها، وتقف بكلمة الحق أمام الذين يعبثون بحاضر تلك البلدان وبمستقبلها ويسرقون مقدراتها. مثل تلك القوى الإعلامية الناشئة تحتاج إلى من يساعدها ويوفر لها الإمكانات المناسبة لتعمل بحرية وقدرة في حماية بلدانها وصون كرامة أوطانهم من المرتزقة الأجانب ومن يدعمهم.

دماء إعلامية عربية شابة تتطلع لتقديم رسالتها الوطنية في بلدان أنهكتها الحروب واستنزفتها الشعارات القومية والإسلامية الزائفة حتى غرقت في التناحر السياسي والفوضى المفتوحة، وفقدت الأمن، ومعه فقدت التماسك والقوة، وأصبحت أطراف أوطانهم مسرحًا للعابثين بالأمن ولصوص المقدرات وتجار الدم.

وأنا أقرأ لأولئك الشباب من أقطار عربية مختلفة، ألمس في عباراتهم الحب الكبير لأوطانهم والرغبة الشديدة في تقديم العون لنشر الوعي اللازم، لأن الجهل هو أكبر عدو، والجهل سلاح ذو حدين يضر صاحبه وعدوه في الوقت نفسه. وكل ما يحتاجه أولئك الشباب الإعلامي العربي الطموح أن يجدوا الفرصة المناسبة ليعملوا ويقدموا رسالتهم الوطنية، ويبقى الوعي هو السلاح العربي الأقوى ضد دعاة القتل والخراب والظلام.

دول عربية عريقة ذات تاريخ حضاري ممتد هي أحوج اليوم إلى الاستقرار الأمني والنفسي والسياسي، وكل ذلك يبدأ من الانتصار في معركة "الوعي". فالازدهار والنمو الاقتصادي المنشود هو جلّ ما تحتاجه الدول والشعوب معًا في كل العالم، ولكنه يحتاج إلى بيئة آمنة ليثمر، ويحتاج إلى قدرات ومصادر متعددة، ويحتاج إلى دوائر استهلاكية واسعة، ويحتاج إلى موارد طبيعية متنوعة. ولتكتمل منظومات العمل الاقتصادي، فلا بد من شراكات إقليمية ودولية يعزز وجودها التطلع المشترك نحو مستقبل واعد ومتكامل ومتبادل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.