: آخر تحديث

المتاهة الرقمية: من اخترع الإنترنت والميتافيرس حقًا؟

4
4
3

يروي تاريخ الاختراعات الكبرى حكايات لا تقل إثارة عن أكثر المسلسلات تشويقًا. حكايات عن عباقرة سبقوا عصرهم، وعن آخرين قطفوا الثمرة في الوقت المناسب. بيل غيتس في مواجهة غاري كيلدال، ستيف جوبز على أكتاف دوغلاس إنجلبارت وويليام إنجليش، مارك زوكربيرغ في ظل التوأم وينكلفوس. أسماء تتكرر في سردية واحدة: فكرة وُلدت في ذهن، ثم انتقلت بصورة أو بأخرى إلى يدٍ أخرى. لكن وسط هذا الضجيج، هناك اسم يكاد التاريخ أن يهمسه همسًا: جوليو كاميليو.

كاميليو، الفيلسوف الإيطالي الذي عاش بين عامي 1480 و1544، لم يكن رجل تقنية، ولا مهندس آلات، بل كان حالمًا من طراز نادر. حلمه لم يكن أقل من احتواء المعرفة الإنسانية كلها داخل بنية واحدة قابلة للولوج. ما صممه لم يكن كتابًا، ولا مكتبة، بل ما أسماه "مسرح الذاكرة": بناء خشبي مهيب، مقسم إلى مدرجات وممرات وقطاعات، تتوزع فيه الأبواب المرسومة بالصور والرموز، وتفتح على صناديق تحفظ المعارف والوثائق. لم يكن الهدف مجرد التخزين، بل تحويل المعرفة إلى تجربة تُعاش بالجسد كما تُدرك بالعقل.

في هذا المسرح، انقلبت القواعد: لم يعد الإنسان متفرجًا يقف في الظل، بل أصبح هو مركز المشهد. يدخل، يتحرك، يختار المسار، ويتنقل بين الأفكار كما لو كان يسير داخل خريطة حية للعقل البشري. كان كاميليو يؤمن، إيمان إنسانيي عصر النهضة، بأن بنية الفكر تعكس بنية العالم، وأن السير في هذا المسرح الذهني لا يختلف عن السير في الكون ذاته.

لم يكن الحلم مجرد تجريد فلسفي. كاميليو سعى، بإصرار يكاد يكون هوسيًا، إلى تحقيقه واقعًا. طرق أبواب الملوك والدوقات والأمراء وقادة الجيوش، باحثًا عمّن يؤمن بالفكرة ويموّلها. ويبدو أنه نجح إلى حد ما، إذ تشير رسائل معاصريه، ومنهم الإنساني الهولندي فيغليو زويتشيم، إلى نموذج أولي قادر على استيعاب شخص أو اثنين. أطلق كاميليو على ابتكاره أسماء لافتة: "العقل الصناعي"، "الروح الصناعية"، "الروح ذات النوافذ". تسميات تحمل في طياتها حدسًا مذهلًا بما سيأتي بعد قرون.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الذي يربط هذا الفيلسوف المنسي بما نسميه اليوم الإنترنت والميتافيرس؟

إذا تأملنا الأمر بعمق، سنكتشف أن الإنترنت ليس سوى مسرح كاميليو وقد تحرر من الخشب والرفوف. أرشيف هائل للمعرفة البشرية، يمكن التنقل فيه عقدة بعد عقدة، وبناء مسار شخصي بدلًا من تلقي سرد خطي جاهز. أما الميتافيرس، فهو الخطوة التالية: الدخول الغامر إلى هذا الأرشيف، لا كمشاهد أمام شاشة، بل ككائن يتحرك داخل فضاء معرفي ثلاثي الأبعاد. تمامًا كما تخيل كاميليو: عقل له نوافذ، وروح يمكن التجول داخلها.

تخيلوا كاميليو وهو يتصفح الإنترنت اليوم، أو يرتدي خوذة واقع افتراضي، ويتجول في عوالم رقمية لا نهائية. ربما سيشعر في البداية بنشوة الحلم المتحقق، ثم بغصة مريرة: لقد تحقق كل شيء من دون اسمه. لا براءة اختراع، ولا اعتراف، ولا حتى هامش في كتب التاريخ الشائعة.

لكن هل كان كاميليو حقًا ضحية سرقة؟ أم أن قصته تكشف قانونًا أعمق يحكم التاريخ البشري؟ الأفكار العظيمة تولد كأحلام فردية، تبدو في وقتها غريبة أو مستحيلة، ثم تختفي، لتعود لاحقًا متجسدة في سياقات جديدة، بأسماء أخرى، وأدوات أخرى. الخيط الأحمر الذي يربط البداية بالنهاية غالبًا ما يضيع، أو يُتجاهل.

لذلك، ربما لا يحتاج كاميليو إلى دعوى قضائية متأخرة، بل إلى ذاكرة يقظة. إلى وعينا نحن، حين نتنقل بين صفحات الويب أو نغوص في عوالم ثلاثية الأبعاد، بأن كل نقرة، وكل خطوة افتراضية، تحمل صدى حلم قديم لفيلسوف آمن بأن العقل يمكن أن يُبنى، ويُزار، ويُعاش.

وإن حدث يومًا أن شعرت، وسط رحلاتك الرقمية، بأن فكرة ما تناديك من عمق التاريخ، فاعلم أنك دون أن تعلم تؤدي تحية متأخرة لأولئك الحالمين الأوائل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.