: آخر تحديث

روج آفا وحقيقة مُرّة يجب تقبّلها

3
3
3

العودة إلى التأريخ ضرورة مُلحّة من أجل دراسة وفهم واستيعاب حالة طارئة، لكنها استثنائية، على قضية في مسارها الزمني، في عصر من أبرز سماته التغييرات الدراماتيكية الخاضعة لنهج براغماتي يطغى عليه بكل قوة. إن ما حدث في تجربة روج آفا في سوريا في الفترة الأخيرة كان تطورًا مألوفًا، وليس غير منتظر أو حتى طارئًا، كما سعى بعض الكتّاب الكرد للإشارة إليه وكأنه نكسة كتلك التي حدثت في آذار (مارس) 1975 للحركة الكردية في كردستان العراق.

منذ اتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916، والتي كانت بمثابة معاهدة سرية وقّعتها بريطانيا وفرنسا بمصادقة روسيا القيصرية وإيطاليا، قُسّم بموجبها الهلال الخصيب ومناطق النفوذ في الشرق الأوسط بينهما، لتفكيك الدولة العثمانية، حيث سيطرت فرنسا على سوريا ولبنان وجنوب تركيا، وبريطانيا على العراق والأردن وفلسطين، واضعة حدودًا مصطنعة غيّرت خريطة المنطقة. فإن هذا المنطق البراغماتي، وبعد الحرب العالمية الثانية، ظل باقيًا ومهيمنًا على عقلية الدول الكبرى، ولا سيما الغربية منها، في التعامل مع الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، ولم يحدث أي تغيير فيه، وبشكل خاص فيما يتعلق بالقضية الكردية.

وبعد الانهيار الدراماتيكي للاتحاد السوفياتي والمنظومة التابعة له، وبروز الولايات المتحدة الأميركية كقطب فاعل وحيد في العالم، فإن المنطق البراغماتي بقي على حاله. لكن بعد المغامرة العراقية في الكويت، والتي كانت في خطّها العام فخًّا أميركيًا لصدام حسين من أجل الترتيب والإعداد لمخطط بعيد المدى يؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، يأخذ موضوع جعل إسرائيل كأمر واقع، ليس لتتقبّله بلدان العالمين العربي والإسلامي فقط، بل وحتى لترى فيه ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها من أجل ضمان السلام والأمن والاستقرار.

في ظلال هذا المخطط قامت إسرائيل، ومن خلال رئيس الوزراء البريطاني جون ميجر، وعلى أثر حرب الخليج الثانية، وتحديدًا في أواخر شهر فبراير عام 1991، بإقامة منطقة حظر الطيران لمنطقة كردستان شمالًا التي يقطنها الأكراد، وجنوب العراق الذي يقطنه الشيعة. وهذه المنطقة، وإن كان ظاهرها حماية الكرد والشيعة، فإنها، كما اعترف مسؤولون عسكريون أميركيون فيما بعد، كانت من أجل تدمير أنظمة الدفاع الجوي العراقية بدلًا من الهدف المعلن لها. أي إن الكرد والشيعة استُخدموا كوسيلة من أجل تحقيق جملة أهداف، ولا سيما إذا ما تذكّرنا أنه كان يتم التركيز على الطابع الإنساني لهذه المنطقة وليس السياسي.

حينها، أي في الفترة التي كانت هذه المنطقة قائمة، كنت صحفيًا أعمل في قسم "الشؤون الكردستانية" في صحيفة "برايتي" الناطقة بالكردية في أربيل، والتي كانت ناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني. وكانت المقالات تركّز على هذا الموضوع، حيث كان السعي الكردي الحثيث جارٍ على قدم وساق من أجل تغيير الطابع الإنساني لمنطقة حظر الطيران إلى طابع سياسي، لكن من دون أي استجابة غربية، ولا سيما أميركية، لهذا المطلب الكردي. وهذا كان يؤكد بأن الأهداف الغربية والإسرائيلية غير المعلنة من وراء هذه المنطقة هي التي تتحكم فيها، وليس أي شيء آخر. بل وحتى عندما كنا نجري لقاءات مع شخصيات أميركية ونطرح عليها أسئلة بخصوص تغيير الطابع الإنساني لمنطقة حظر الطيران إلى سياسي، فإن التهرّب من الإجابة، أو تقديم إجابات ضبابية أو ذات طابع إنشائي محض، كان هو السائد دائمًا.

وبالرغم من التطورات التي جرت على الأرض، وانتخاب برلمان كردي وتأسيس حكومة إقليم كردستان، فإن ذلك، وبالرغم من إقامة قنصليات غربية في أربيل، وقبل ذلك وجود نص دستوري في "العراق الفدرالي"، وتحديدًا المادة 140 من الدستور العراقي، فإن ما حدث بعد مغامرة الاستفتاء التي دعا لها مسعود البرزاني، وعودة الجيش العراقي لبسط سيطرته على مناطق كردية شاسعة، أثبت بوضوح أن ما صدّقه الكرد واقعًا لم يكن إلا مجرد وهم أو خيال، وليس أي شيء آخر. بل وحتى كان ذلك تذكيرًا للكرد بأن ما سُمح لهم به محدد السقف، وعليهم تقبّل ذلك عن طيب خاطر.

ما جرى في روج آفا ليس ذلك التطور المفاجئ الذي أُعدّ له توم باراك، كما صوّر وأكّد العديد من الكتّاب، وإنما ما أعدّت له المصالح الأميركية والإسرائيلية على حد سواء في سوريا والمنطقة. وإنَّ تركيا، ومن بعدها سوريا، ومن ثم بلدان المنطقة ذات العلاقة، أهم بكثير من الكرد وما يمثلونه لأميركا وإسرائيل. وهذه هي الحقيقة التي يجب تقبّلها، حتى وإن كانت مُرّة كالحنظل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.