: آخر تحديث

في الهشاشة السياسية الفلسطينية

2
2
2

كما هي الحال في الطب، فإن الهشاشة في السياسة تُعد مرضًا معترفًا به، وتجمع بين المجالين قواسم مشتركة عديدة. ففي الطب نتحدث عن هشاشة العظام، ذلك المرض الذي يصيب غالبًا كبار السن ويعكس تراجع القدرة على الحركة والنشاط، ما يضطر المصاب إلى الاعتماد على وسائل مساعدة. ويُعرف هذا المرض بالمرض الصامت، إذ يتسلل إلى العظام تدريجيًا حتى يجعلها ضعيفة وقابلة للكسر، ولا تظهر خطورته الحقيقية إلا مع أول كسر قد يعجز المصاب بعده عن استعادة قدرته على الحركة أو الشفاء الكامل.

ولا تقل الهشاشة السياسية خطورة عن نظيرتها الطبية، إذ عندما يُصاب الجسد السياسي بحالة من الوهن والهشاشة، يتحول المجتمع بأسره إلى كيان عاجز عن الاستجابة للمتغيرات والتكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية. وفي علم السياسة، تشير الهشاشة إلى صور متعددة من العجز العام، أبرزها فقدان القدرة على التطور ومواكبة التحولات السياسية المتسارعة التي تتجاوز قدرة الإنسان أو النظام على الاستيعاب والتكيف.

وقد تكون الهشاشة السياسية جزئية أو شاملة. أما الشاملة فتبدأ من الفرد ذاته، حين يصبح لامباليًا، عاجزًا عن الفعل السياسي، منشغلًا فقط بتأمين متطلبات حياته اليومية من طعام وشراب، فاقدًا الثقة بالمحيط السياسي من حوله. وقد تمتد هذه الحالة لتصيب بنية النظام السياسي بكاملها، فتتجلى في ضعف قدراته الوظيفية، ومن أبرزها القدرة الاستخراجية، أي قدرة النظام السياسي والسلطة على توفير الموارد المادية والبشرية وتنويع مصادر الدخل. وفي ظل هذا الضعف تعاني الموازنات العامة من عجز دائم، وتتراجع قدرة النظام على التكيف مع بيئته المتغيرة داخليًا وخارجيًا، بحيث تتسع الفجوة بين قدرات السلطة من جهة، واحتياجات المجتمع ومطالبه المتزايدة من جهة أخرى، الأمر الذي يُفضي غالبًا إلى تصاعد مظاهر العنف والتطرف وعدم الاستقرار.

كما تتجسد الهشاشة في ضعف القدرة التنظيمية، وهو ما يظهر في تراجع أداء المؤسسات التشريعية في سن القوانين، وضعف السلطة القضائية، والعجز عن إصدار تشريعات تواكب التطورات المتسارعة في البيئة السياسية. أما غياب القدرة الرمزية فيتمثل في تراجع حضور الرموز الوطنية الجامعة، مقابل تصاعد الرموز الفصائلية والحزبية، بما يؤدي إلى إضعاف قدرة النظام السياسي على تعبئة الجماهير وحشد التأييد الشعبي.

وتتبدى الهشاشة السياسية أيضًا في ضعف القيادة السياسية، سواء من حيث التقدم في العمر أو الجمود في تداول الأجيال، حيث يحتكر الجيل الأكبر سنًا مواقع القرار، ما يُحدث فجوة واسعة بين الأجيال السياسية. وقد تمتد هذه الهشاشة إلى بنية المجتمع ذاته، إذ تتآكل التنظيمات السياسية من الداخل، وتتسع الهوة بينها وبين قواعدها الجماهيرية، وتتراجع ثقة الأفراد بها، فيما تعاني برامجها السياسية حالة من الجمود والتكلس، إذ تستند إلى رؤى بعيدة عن الواقع ولا تعكس تطلعات المواطنين، فضلًا عن غياب الآليات الديمقراطية داخلها، وهيمنة قيادات تجاوزها الزمن.

ولعل من أخطر مظاهر الهشاشة السياسية ضعف مؤسسات المجتمع المدني وتشتتها وخضوعها لهيمنة السلطة. ويترتب على ذلك غياب دور هذه المؤسسات في مراقبة السلطة والحد من تغولها، فتتحول السلطة إلى بنية استبدادية أمنية، وتتراجع منظومة الحقوق والحريات، وتترسخ ثقافة الخوف والقوة، ويغيب دور المعارضة السياسية، كما تضعف الشرعية القانونية والسياسية للنظام.

وفي نهاية المطاف، قد ينتهي الأمر إلى قيام سلطة أو دولة هشة تابعة، تفقد القدرة على اتخاذ قرار سياسي مستقل، وتصبح أكثر خضوعًا للضغوط الخارجية. وتظهر أعراض هذه الهشاشة في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية، وتصاعد مظاهر العنف وعدم الاستقرار، وانتشار الجريمة بوصفها وسيلة للتعبير في ظل غياب القنوات الديمقراطية وحرية الرأي، إضافة إلى تسييس الإعلام وتراجع روح المواطنة والانتماء، بحيث يتحول السؤال من كيفية حب الوطن إلى كيفية كرهه ورفض سلطته.

إنَّ النتائج المنطقية لهذه الحالة تتجلى اليوم في استمرار الحرب على غزة، وفي العجز عن إنهاء الانقسام السياسي بين حركتي حماس وفتح، كما تظهر في تصاعد الاستيطان وعمليات التهويد في الأراضي الفلسطينية، وفي تعثر مشروع الدولة الفلسطينية وعدم القدرة على إنهاء الاحتلال.

وفي المقابل، فإن البديل عن الهشاشة السياسية يتمثل في ترسيخ الفاعلية السياسية، وذلك من خلال إتاحة المجال أمام الشباب بوصفهم القوة المحركة للحراك السياسي، وتفعيل المؤسسات السياسية عبر انتخابات دورية منتظمة، وتوسيع نطاق المشاركة والتمكين السياسي لكافة شرائح المجتمع، وتعزيز مؤسسات المساءلة والمحاسبة، وبناء ثقافة وطنية جامعة تُجسد الهوية الوطنية وترسخ الانتماء إليها.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.