أمام حملة التهديدات الأميركية والإسرائيلية بتوجيه ضربات شرسة إلى أهداف إيرانية، تضيق أمام طهران مسارات المناورة الاستراتيجية في مطلع عام 2026، حيث لم يتبقَّ لديها سوى خيارات محدودة غاية في الصعوبة والحرج، بعد أن تدهور الوضع المعيشي والاقتصادي للشعب الإيراني نتيجة للعقوبات الاقتصادية والحصار المفروض عليها.
النظام الإيراني فعلًا بات محشورًا بين التسوية المؤلمة أو التصعيد عالي المخاطر، والهروب إلى أمام باتجاه خيار شمشون "عليَّ وعلى أعدائي".
ببساطة شديدة، إن التفاوض الشامل على تسوية متكاملة يعني قبولها بالصفقة المُرّة التي تعني انتهاء مشروعها النووي إلى الأبد، وتدمير ما تبقى لها من منشآت نووية، وإخراج ما بجعبتها من كمية من اليورانيوم المخصب إلى دولة أخرى، كما يعني قبولها بتقييد قوتها الصاروخية إلى مديات تقل عن 500 كلم، يضعها في موقع دفاعي بدلًا من التهديد بالردع الصاروخي، وهذا ما سوف يترتب عليه من إجراءات قاسية من الرقابة الدائمة والتحقق من لجان فنية سوف يمس سيادتها وكرامتها الوطنية، ويمس في الصميم بنيتها الأيديولوجية المرتكزة إلى شعارات تصدير الثورة الإسلامية ومحاربة قوى الاستكبار.
قبل أيام، أعاد الرئيس الإيراني الإصلاحي مسعود بزشكيان دعوته إلى اعتماد الخيار الدبلوماسي في البحث عن حلول مشتركة لملفاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ولكن السؤال: عن أي خيار دبلوماسي ممكن في ظل التشدد في المطالب الأميركية والإسرائيلية؟
إنَّ الرئيس الإيراني يعلم أن التفاوض لا بد أن يفضي إلى تنازلات كبرى من إيران، وهذه التنازلات اعتبرها المرشد الإيراني خامنئي خطوطًا حمراء.
إذا ما تمسكت إيران بخطوطها الحمراء، فهذا يفسر ذهابها إلى خيار الرد على أية هجمات حربية مدمرة أميركية، ومن المؤكد أن نتنياهو سوف يشترك فيها بعد أن هدد قبل أول أمس بأن إسرائيل إذا ما اضطرت سوف تهاجم إيران وحدها.
نحن أيضًا نستمع إلى تهديدات قائد الحرس الثوري بأن إيران إذا ما تعرضت لهجوم سوف تشعل ساحات إقليمية، ويقصد بها ضرب قواعد ومصالح أميركية في المنطقة، وهذا بحد ذاته، حتى لو افترضنا جدلًا أن إيران تمتلك القدرات على تنفيذه، فهو يعني اللجوء إلى الانتحار السياسي، إلا أن القوة الأميركية الهائلة، ومعها إسرائيل، ستدمر إيران إلى حد إسقاط نظام حكم ولاية الفقيه في طهران.
إنَّ القادة الإيرانيين ربما يبالغون أحيانًا في استعمال الأذرع المرتبطة بها في أية حرب مقبلة، لأن هذه الميليشيات المعروفة مثل حزب الله في لبنان والعراق وجماعة الحوثي في اليمن لا تمتلك الفاعلية الردعية، ولا هي بنفس القوة السابقة، وتظل فقط فزاعات لا تخيف ولا تفعل شيئًا.
لذلك، وأمام هذه المعطيات السابقة، فإن هناك من يذكر بأن النظام الإيراني، بما عُرف عنه من مناورات سياسية وإطلاق شعارات للاستهلاك الداخلي، فإنه يعتبر بقاء الحكم قدس الأقداس له، ومستعد للقبول في النهاية بصفقة تحقق له ذلك، ويتخلى عن مطالبه، وينكفئ إلى الداخل، ويضحي بكل أسلحته وأذرعه بفتوى دينية بأن دفع الضرر مقدم على جلب المنافع، ويحصل على رفع العقوبات الدولية، والصبر الاستراتيجي إلى حين إعادة إنتاج نفسه من جديد بحلة جديدة تعتمد الحيلة والتقية السياسية، وهذا الاختيار كنت دائم التأكيد عليه في كل مقالاتي السابقة، لسبب بسيط: إن نظام الحكم في إيران يعلم أن الجغرافية السياسية التي صممت الموقع لبلده على شكل هضبة شديدة الارتفاع، يميل انحدارها الوحيد نحو الأراضي العربية، بما فيها العراق والخليج العربي، يؤمن بأن كل أهدافه الحقيقية، بعيدًا عن شعارات القدس ومحاربة قوى الاستكبار العالمي، تبقى هي في العمل على تحقيق أطماعه الفارسية القديمة في الهيمنة والسيطرة على المنطقة العربية حصرًا، وليس بعيدًا عنا تصريح قاسم سليماني السابق عندما تباهى بأن أربعة عواصم عربية باتت تحت سيطرتنا.
أظن أن أيام هذا النظام ستطول بالرغم من كل ما يقال، وسوف يقبل في النهاية بأية تسوية مُرّة تحقق له القليل من أهدافه.


