: آخر تحديث

بين برلين وميونيخ: ملامح البديل الديمقراطي وزوال أوهام الاستبداد

7
7
6

لم تكن العاصمة البافارية ميونيخ، يوم الجمعة 13 شباط (فبراير) 2026، مجرد مقر لانعقاد مؤتمر الأمن العالمي، بل تحولت بفضل الحراك الإيراني المنظم إلى منصة لمحاكمة الاستبداد وتثبيت أركان البديل الديمقراطي. إذا كان زلزال برلين في السابع من شباط (فبراير) 2026 قد كشف عن القاعدة الجماهيرية العريضة للمقاومة، فإن "طوفان ميونيخ" قد جاء ليضع النقاط على الحروف في قلب المحفل الأمني الدولي، مؤكداً أن قطار الثورة الإيرانية قد غادر محطة "المطالب الجزئية" ليدخل مرحلة "الحسم الاستراتيجي" لإسقاط منظومة ولاية الفقيه برمتها.

لغة الأرقام الصادمة
في مؤتمر صحفي كشفت فيه لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عن وثائق سرية للغاية، تجلت أبعاد "المجزرة المبيتة" التي نفذها نظام الملالي لقمع انتفاضة كانون الثاني (يناير) 2026. الأرقام المستقاة من شبكات المقاومة داخل إيران تتجاوز حدود التصور؛ إذ سجلت أسماء 2411 شهيداً من بين الآلاف، بينهم 259 امرأة و174 طفلاً، فضلاً عن اعتقال ما لا يقل عن 50 ألف شخص.

هذه الأرقام، كما أكد السيد محمد محدثين في مؤتمر صحفي، ليست نتاج "انفلات أمني"، بل هي ثمرة قرار سياسي اتُخذ في قمة هرم السلطة. الوثائق المسربة تثبت أن "الوضع الأمني المسلح" قد فُوِّض بموجبه الحرس الثوري صلاحيات مطلقة لاستخدام الأسلحة الثقيلة. والأخطر من ذلك هو ثبوت استدعاء ميليشيات عابرة للحدود من العراق وأفغانستان ولبنان للمشاركة في قمع الإيرانيين، ما يعكس حالة "الذعر الوجودي" لدى نظام لم يعد يثق حتى في أدواته القمعية المحلية أمام عنفوان "وحدات المقاومة".

دماء الشهداء ترسم حدود المستقبل
في رسالتها الموجهة إلى المتظاهرين في ساحة "أوديونسبلاتس"، وضعت السيدة مريم رجوي حداً فاصلاً لكافة المحاولات الرامية إلى سرقة دماء الشعب. أكدت رجوي أن "بحر الدماء" الذي سال في كانون الثاني (يناير) 2026 قد حسم المسار؛ فلا عودة إلى الوراء، ولا مكان لـ"دكتاتورية الشاه" كبديل لـ"الفاشية الدينية".

لقد كان تأكيدها على أن الشعب الذي أسقط دكتاتورية الشاه عام 1979 لن يقبل باستبداد "التاج" مرة أخرى، بمثابة ضربة استباقية لمشاريع "هندسة البدائل" المصطنعة. إن مشروع المواد العشر الذي طرحته السيدة رجوي ليس مجرد برنامج سياسي، بل هو ميثاق وطني يضمن إيران علمانية، ديمقراطية، وغير نووية، تحترم حقوق القوميات وتؤمن بالمساواة الكاملة.

النظام هو بؤرة الإرهاب
وسط حشود المتظاهرين، تصدرت أصوات دولية وازنة المشهد؛ حيث وصف السيد ستروان ستيفنسون نظام طهران بأنه "مركز عدم الاستقرار العالمي". أما جون بيركو، رئيس مجلس العموم البريطاني السابق، فقد وجه انتقاداً لاذعاً لمنظمي مؤتمر ميونيخ للأمن لاستضافتهم نجل الشاه، واصفاً الخطوة بأنها "سقطة سياسية" تتناقض مع شعارات الشارع الإيراني الذي يهتف: "الموت للظالم، سواء كان الشاه أو المرشد (خامنئي)".

هذا الموقف الدولي يعكس نضجاً في فهم الواقع الإيراني؛ فالبديل الحقيقي لا يُصنع في أروقة الفنادق أو عبر الوراثة، بل يُنتزع من ميادين النضال. إن محاولات تلميع بقايا النظام السابق، كما كشفت وثائق المقاومة، تتقاطع في أحيان كثيرة مع خطط أمنية صاغها الحرس الثوري نفسه بهدف "تشتيت الانتفاضة" وإرباك الرأي العام الدولي عبر خلق "أقطاب وهمية" تفتقر للقاعدة التنظيمية والميدانية.

وحدة المصير والهدف
إنَّ الربط بين حشود برلين المليونية وفاعلية ميونيخ السياسية يقودنا إلى استنتاج واحد: أن المقاومة الإيرانية قد نجحت في محاصرة النظام "دبلوماسياً" و"ميدانياً". فالمطالب الستة التي رُفعت في ميونيخ، من الاعتراف بحق الشعب في قتال الحرس الثوري إلى إغلاق سفارات النظام وملاحقة خامنئي دولياً، باتت تشكل ضغطاً حقيقياً على صانع القرار الغربي.

المجتمع الدولي اليوم أمام اختبار تاريخي لمصداقيته؛ فهل سيستمر في سياسة المساومة مع نظام يستعين بالمرتزقة لقتل أطفاله؟ أم سيصغي لصوت الحقيقة المنبعث من ساحات برلين وميونيخ وشوارع طهران؟

لقد أثبت "شباب الانتفاضة" ووحدات المقاومة أنهم المحرك الحقيقي للتغيير. ومع انطلاق "قطار الثورة الديمقراطية"، يدرك العالم أن إيران المستقبل لن تكون ملكية ولا ثيوقراطية، بل ستكون جمهورية ديمقراطية تعيد السيادة لأصحابها الحقيقيين. إن "طوفان ميونيخ" لم يكن مجرد احتجاج، بل كان إعلاناً عن سقوط "شرعية الرصاص" وبزوغ "شرعية الشعب" بقيادة مقاومة منظمة أثبتت أنها الوحيدة القادرة على قيادة المرحلة الانتقالية نحو بر الأمان.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.