تُطرح المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفها إطاراً سياسياً يهدف إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى مسار تسوية، عبر ضمانات دولية وآلية تنفيذ محددة زمنياً. غير أن نجاح هذه المرحلة لا يتوقف على نصوص الاتفاقات، بل على مدى انضباط الأطراف المعنية بالتزاماتها، وقدرة الآليات الدولية على فرض معايير التنفيذ. تستعرض هذه القراءة مواقف اللاعبين الرئيسيين والعقبات القائمة.
أولاً: الإدارة الأميركية ومجلس السلام – الضمانة غير المفعلة
تُعد الولايات المتحدة، ممثلة بالرئيس ترامب، الضامن الرسمي للخطة، غير أن هذا الضمان لم يُترجم حتى الآن إلى أدوات ضغط حقيقية تحد من سياسات العرقلة الإسرائيلية. تشير المواقف المعلنة للحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الصريح للدولة الفلسطينية، واستمرار الاعتراضات على تشكيل المجلس التنفيذي لإدارة غزة، وربط فتح المعابر بشروط إضافية، إلى فجوة واضحة بين الالتزام النظري بالخطة وسلوك الحكومة الإسرائيلية على الأرض. مجلس السلام، الذي يُفترض أن يمارس دور الرقابة، لا يزال إطاراً استشارياً غير مزود بصلاحيات تنفيذية، في غياب قوة الاستقرار الدولية التي لم تُنشر بعد، وتراجع عدد من الدول عن التزاماتها بالمشاركة فيها.
ثانياً: الحكومة الإسرائيلية – بين الموافقة الشكلية والعرقلة الفعلية
تُظهر إسرائيل تبايناً مستمراً بين خطابها الرسمي الداعم للخطة وإجراءاتها الميدانية. تتركز سياسات العرقلة في ثلاث دوائر: تأخير الموافقات الأمنية المتعلقة بمعبر رفح وحركة الأفراد، واستمرار حجب الإيرادات الفلسطينية، وعرقلة إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإعادة الإعمار. هذه السياسات لا تقتصر على إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية، بل تخلق بيئة تنفيذية غير مواتية لأي تقدم سياسي، وتعيد إنتاج شروط الأزمة بدلاً من تجاوزها.
ثالثاً: حركة حماس – تعقيدات التسليم وشروط المرحلة
تقف حركة حماس أمام اختبار جوهري في هذه المرحلة، يتعلق بقدرتها على التحول من سلطة أمر واقع في غزة إلى جزء من مشروع وطني جامع. تصريحات الحركة المتداولة بشأن نزع السلاح تتسم بالغموض والتردد، وتضعها في تناقض صريح مع متطلبات المرحلة الثانية، التي تستند إلى إنهاء ازدواجية السلطة وتسليم إدارة القطاع للجنة تكنوقراط وافقت الفصائل على تشكيلها في القاهرة. الفجوة بين الموقف المعلن والاستحقاقات الميدانية تطرح تساؤلات حول قدرة الحركة على الانخراط في ترتيبات انتقالية قابلة للتنفيذ.
رابعاً: السلطة الوطنية الفلسطينية – الإصلاح شرطاً وانتظاراً
تواصل السلطة الوطنية الفلسطينية، بقيادة الرئيس محمود عباس، تنفيذ حزمة إصلاحات مؤسسية وبنيوية تهدف إلى تعزيز جاهزيتها لاستلام مهامها في غزة. غير أن هذه الجهود تظل مرهونة باستمرار العرقلة الإسرائيلية ومنع وصول موظفي لجنة التكنوقراط إلى القطاع. الانفتاح الفلسطيني على الجهود الدولية الداعمة للخطة ضروري، لكنه لا يعوض عن غياب آليات ضغط فاعلة على إسرائيل.
خامساً: العقبات التنفيذية – قوة الاستقرار والشرعية الدولية
تواجه الخطة تحديات بنيوية تتجاوز مواقف الأطراف المباشرة. أبرزها عدم نشر قوة الاستقرار الدولية المقررة، في ظل معلومات عن تراجع إندونيسيا عن التزامها، ورفض مصري مشروط للمشاركة، وتردد دول خليجية في الالتزام العسكري. كما أن امتناع روسيا والصين عن التصويت على القرار ذي الصلة يعكس تحفظاً على ما اعتبرتاه تكريساً لوصاية دولية على غزة، وهو ما يطرح تساؤلات حول شرعية الترتيبات الانتقالية في غياب دعم دولي واسع.
وهنا أقول إن نجاح المرحلة الثانية لا يمثل اختباراً للخطة وحدها، بل لمصداقية المجتمع الدولي وقدرته على تحويل الضمانات المكتوبة إلى إجراءات نافذة. فالمطلوب اليوم ليس مزيداً من البيانات، بل آليات ضغط حقيقية تلجم سياسات العرقلة الإسرائيلية، وموقفاً فلسطينياً موحداً يحسم ملفات السلاح والحوكمة. في غياب هذه المعادلة، تظل المرحلة الثانية أسيرة تناقضاتها، والفرصة التاريخية مهددة بأن تتحول إلى ورقة تفاوض جديدة بلا سقف زمني.
وأخيراً، فإن المرحلة الثانية، من وجهة نظري الشخصية، تحولت إلى معركة إرادات بامتياز: إرادة البناء الفلسطينية المدعومة عربياً ودولياً، في مواجهة إرادة الإفشال الإسرائيلية المدعومة بسلطة الاحتلال وعدم فاعلية الضامن الأساسي. النجاح ليس سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً إذا توحد الفلسطينيون حول أولوياتهم الوطنية، والتزم المجتمع الدولي بضماناته، واستُخدمت كل أدوات الضغط المتاحة. ليست المرحلة الثانية مجرد استحقاق تفاوضي عابر، بل هي الفرصة الأقرب والأكثر جدية لإنهاء الصراع وبناء الدولة. كل عائق إسرائيلي يمكن تحويله إلى قضية إعلامية ودولية، وكل محاولة إفشال يمكن أن تتحول إلى فرصة لكسب معركة الدعاية، وكل تأخير يمكن أن يكون دافعاً للابتكار وإيجاد البدائل. فلسطين الغد تُبنى بالرغم من كل شيء، وإرادة الحياة تنتصر على منطق التدمير.

