لم أفاجأ حين رأيت مشهد قص ضفيرة مقاتلة كوردية سورية بعد قتلها على أيدي أحد الإرهابيين من جماعة أحمد الجولاني. فهذه المشاهد أصبحت مألوفة في عصرنا الحالي، وهو عصر التوحش والتطرف الإسلامي. وقد قرأنا عن أحداث ووقائع عديدة ومتكررة في تاريخنا الإسلامي عن مثل هذه التوحشات من التمثيل بالجثث، بالرغم من أن نبي الإسلام حرّم المثلة بالمقتولين. ولم يمنع هذا التحريم القطعي المقاتلين المسلمين فيما بعد من التمثيل بجثث أعدائهم، بمن فيهم صحابة الرسول، بل وفيهم من كان من أقرب المقربين إليه في العصر الأول للإسلام. فالتاريخ يحدثنا عن سيف الإسلام المسلول الصحابي "الجليل" خالد بن الوليد، وكيف أنه قتل ومثل بـ"الصحابي" مالك بن نويرة، وكيف طبخ رأسه في القدر وأكله، ثم دخل ليزني بزوجته التي لم تدخل بعد إلى العدة الشرعية. ولا ننسى أيضاً كيف قام جيش الأمويين بضرب الكعبة المشرفة "بيت الله الحرام" بالمنجنيق، وهدم أسوارها وإحراقها، ليأتي بعدهم القرامطة ليستبيحوها ويقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة ويعطلوا مراسم الحج لأكثر من 20 عاماً. وتلتها المجازر التي اقترفها العباسيون في مفتتح حكمهم بنبش قبور الحكام الأمويين وإحراق جثثهم.
إذن فتنظيم داعش لم يأت بشيء جديد حينما أحرق طياراً أردنياً في بث مباشر على التلفزيون، ولا حين قتل الإيزيديين والمسيحيين وأعاد إلى الأذهان سبي النساء وبيعهن في أسواق النخاسة، فهذه مشاهد ووقائع معروفة ومدونة في بطون كتب التراث والتاريخ الإسلامي.
أنا أندهش من مدى وحشية أفراد المجموعات الإرهابية المعاصرة، ولا أدري ما الحكمة في التمثيل بجثث القتلى ونقل هذه المشاهد المؤلمة في صور تلفزيونية، فماذا يريد القاتل من شخص مقتول أصبح جثة هامدة؟ وماذا يضر فتاة مقتولة إن قصصت ضفيرتها أو حتى قطعت أوصالها بعد قتلها؟ هذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى وحشية العقائد التي يحاولون أن يفرضوها على شعوب العالم. فالشاة المذبوحة لا يهمها السلخ، كما قالت ذات النطاقين لولدها عبدالله بن الزبير الثائر ضد حكم الأمويين.
وفي الوقت الذي عبر مشهد الضفيرة المقطوعة بكل وضوح عن مدى وحشية الجيش الإرهابي السوري الذي أسسه أحمد الجولاني واستولى من خلاله على السلطة في سوريا، فإن تلك الضفيرة فجرت ثورة شعبية عارمة وسط المجتمع الكوردي، ووحدت الصف الكوردي لأول مرة منذ عشرات السنين من الفرقة والانقسام، وأصبحت ضفيرة تلك الفتاة رمزاً ثورياً في جميع أرجاء كوردستان الكبرى.
إنَّ الصور والمشاهد التي وصل صداها إلى داخل الكونغرس الأميركي وإلى برلمانات الدول المتحضرة تعكس بكل وضوح مدى وحشية وظلامية الحكم الجولاني لسوريا بعد عقود طويلة من تحررها من الدكتاتورية والطغيان الأسدي، وهي مشاهد تؤكد لنا مرة أخرى بأن التنظيمات الإسلامية المتطرفة كانت وما زالت هي الخطر الأكبر المحدق بشعوب المنطقة الآن وفي المستقبل.


