بعد أن التقى الشرع، الذي يقود السلطة الانتقالية في سوريا، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعلن عن رغبة سوريا في الانضمام إلى التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014 لتصبح العضو التسعين في التحالف الدولي للقضاء على آخر جيوب داعش، وأعلن وزير الإعلام السوري توقيع دمشق على إعلان تعاون سياسي مع التحالف الدولي ضد داعش، مشيراً إلى أن الاتفاق سياسي ولا يتضمن مكونات عسكرية بعد.
وبالرغم من أن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي يعكس تحولاً واضحاً في السياسة الأميركية تجاه دمشق، إلا إن الولايات المتحدة لم تعلن بشكل علني عن انضمام سوريا إلى التحالف المذكور، وأن حديث رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي النائب الجمهوري "براين جيفري ماست" خلال جلسة الاستماع في الكونغرس حول سوريا، والذي قال إن "حكومة الشرع لم تتلق أي شيك على بياض من أميركا، وإن الهجمات التي شنت على قوات سوريا الديمقراطية، حلفائنا، أمر غير مقبول"، وطالب ماست الشرع بأفعال ملموسة، لا مجرد أقوال، كما وصف اتفاق الشهر الماضي بين الجنرال مظلوم والشرع بخطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه لا يزال غير كاف.
إن تصريح ماست دليل على قلقه من مستقبل المكونات السورية، ومنها الكورد، في ظل تحديات مستمرة لضمان حقوقهم في الدستور السوري وتطبيقها على أرض الواقع، لأن كما هو معروف تكمن أهمية الدستور الحقيقية في تطبيقه الفعلي كقانون أعلى ينظم السلطات ويحمي الحقوق، وليس في مجرد تدوينه كوثيقة جامدة، إلى جانب أن علاقة واشنطن ومستقبل علاقتها مع الشرع سيكون مرهوناً بتنفيذ شروط واشنطن على أرض الواقع، وفي مقدمتها ابتعاد الشرع عن ماضيه الجهادي السلفي.
لقد بدأت رحلة الجولاني كجهادي في العراق، مرتبطاً بتنظيم القاعدة في العراق، سلف تنظيم داعش، الذي انضم إليه في وقت لاحق، وفي عام 2005 سجن الجولاني في معسكر بوكا، والذي كان أكبر سجن أميركي في جنوب العراق، وتعرف لاحقاً على الإرهابي أبو بكر البغدادي، وفي عام 2011 أرسل البغدادي الجولاني إلى سوريا لإنشاء جبهة النصرة، وهي جناح سري مرتبط بتنظيم داعش، وفي عام 2016 قطع الجولاني علاقته بتنظيم القاعدة، وأعاد تسمية جماعته باسم جبهة فتح الشام، ثم هيئة تحرير الشام، والتي تم تصنيفها من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة منظمةً إرهابية، وعرض مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي عام 2017 مكافأة مالية قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال الجولاني.
وبعد سيطرة هيئة تحرير الشام على العاصمة السورية دمشق، ظهر الجولاني بشكل علني كقائد محرر، وخاصة بعد شطب اسمه المدرج على قائمة الجزاءات المفروضة على تنظيم داعش وتنظيم القاعدة، بعد موافقته على قائمة شروط أميركية، وانضمام سوريا إلى ما يسمى باتفاقيات إبراهام.
وهكذا تحول الجولاني إلى الشرع في وقتٍ لم يتخل فيه عن صفات الجولاني وإرثه الداعشي.
إن محاولات الإساءة والاستفزاز العمدي الداخلي والإقليمي لإفشال الاتفاق بين الجنرال مظلوم عبدي والنظام السوري، إلى جانب غياب العدالة واستمرار الانتهاكات وتجاوزات جسيمة لحقوق الإنسان بحجة الحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها، لن تؤدي إلى الشراكة الحقيقية بين المكونات والشعوب والطوائف في سوريا، بل إلى انفجار جديد آتٍ لا محالة يطيح بكل شيء، ويفتح أبواباً لا الجولاني، ولا ترامب، ولا أردوغان قادر على إغلاقها.
أخيراً أقول: لم تتغير ممارسات ميليشيات الجولاني المتكونة من المقاتلين الأجانب، وتحديداً من الإيغور، والشيشان، والطاجيك، والأوزبك، ومقاتلين من جنسيات أجنبية أخرى الذين انضموا إلى صفوف الجيش السوري الجديد تجاه المكونات السورية الأصلية، وما زالت العقلية ذاتها تحكم المشهد السوري، ولكن بأقنعة وبدلات عسكرية جديدة، وأن مناقشة الكونغرس في جلسة 10 شباط (فبراير) الجاري مستقبل الكورد في سوريا وسط مخاوف تعرضهم لانتهاكات على يد الجيش السوري دليل على ذلك.
كل ما يقوم به الشرع وميليشياته اليوم من تستر على الانتهاكات المريعة والجرائم لن يصمد طويلاً، أما الولايات المتحدة التي زكت الجولاني فسيأتي يوم عاجلاً أم آجلاً تتبرأ منه كما تبرأت من حلفائها السابقين، وإن استطاع "أسد الابن" أن يهرب في الوقت الضائع وينفذ بجلده من الموت المحقق، فربما غيره لا يستطيع، كل شيء في الشرق الأوسط قابل للتغيير بين ليلة وضحاها.


