: آخر تحديث

خارج الصندوق.. قناة إخبارية مشتركة تنقذ الصحافة (2 – 2)

7
6
5

تناولنا في الجزء الأول الوضع الصعب الذي تواجهه المؤسسات الصحفية السعودية، مع تراجع كبير في عائدات الإعلانات الورقية وتآكل القدرات المهنية. أكدنا أن استمرار النماذج التقليدية يمثل انتحاراً بطيئاً، وأن الشراكة لإنشاء قناة إخبارية محلية مشتركة هي ضرورة اقتصادية وحل استراتيجي لتوزيع التكاليف وتوحيد الجهود، بالرغم من التحديات المتعلقة بالهوية المؤسسية.

يمكن أن تتخذ هذه الشراكة أشكالاً متعددة، من الاندماج الكامل إلى الشراكة الجزئية. النموذج الأكثر واقعية هو أن تشكل المؤسسات التي لديها عقلية تجارية متقدمة فريق عمل مشترك لدراسة الجدوى، ثم فريق تمويل يجمع الموارد اللازمة لإنشاء القناة. يمكن أن يتخذ هذا شكل شركة مساهمة مشتركة، تمتلك فيها كل مؤسسة حصة تتناسب مع حجم مساهمتها المالية أو الإعلامية.

المبادرة يمكن أن تأتي من صحيفة أو صحيفتين ذات رؤية تجارية واضحة، تقود المشروع وتدعو الآخرين للانضمام. هذه الصحف الرائدة يمكنها أن تضع الأسس، وتصمم النموذج، وتقنع الآخرين بالجدوى الاقتصادية والاستراتيجية. التردد والانتظار لن يحلا المشكلة، بل سيعمقانها.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا قناة محلية؟ الجواب بسيط، لأن السوق المحلي مهمل ومهدر، ولأن المحتوى المحلي هو الذي يلامس حياة الناس اليومية. حالياً، توجد قناة إخبارية واحدة تملكها الحكومة، وهي تقدم خدمة جيدة لكنها لا تستطيع أن تغطي كل شيء، ولا أن تقدم التنوع والعمق الذي يحتاجه المشاهد السعودي.

قناة إخبارية محلية مشتركة يمكن أن تملأ هذا الفراغ، بتركيزها على الأخبار المحلية من جميع المناطق، والقضايا التي تهم المواطن، والفنون والثقافة، والرياضات، والشؤون الاقتصادية والاجتماعية. هذا المحتوى الغني هو ما تفتقده الساحة الإعلامية، وهو ما يمكن أن يجذب جمهوراً واسعاً ومخلصاً.

علاوة على ذلك، القناة لن تقتصر على البث التلفزيوني التقليدي، بل ستكون منصة إعلامية متكاملة تنتج محتوى متنوعاً: تقارير إخبارية للبث المباشر، مقاطع قصيرة لمنصات التواصل الاجتماعي، بودكاست، تحقيقات مطولة، برامج حوارية، محتوى تفاعلي. كل هذا يمكن تحقيق دخل منه عبر قنوات متعددة: إعلانات تلفزيونية ورقمية، اشتراكات مدفوعة، رعايات مؤسسية، بيع المحتوى لمنصات أخرى.

دعونا نتحدث عن الأرقام بواقعية. سوق الإعلان السعودي بلغ 6.3 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 8.9 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي 3.94 بالمئة. هذا سوق ضخم ومتنامٍ، لكن الصحف المطبوعة تحصل على حصة متناقصة منه. القناة التلفزيونية المشتركة يمكن أن تعيد توجيه جزء من هذه العائدات نحو المؤسسات الصحفية.

إعلانات التلفزيون من المتوقع أن تتجاوز 500 مليون دولار، وهذا رقم كبير يمكن للقناة المشتركة أن تحصل على حصة منه. إذا افترضنا أن القناة تستطيع الحصول على 5 بالمئة فقط من هذا السوق في السنوات الأولى، فهذا يعني عائدات سنوية تبلغ 25 مليون دولار، وهو رقم يغطي التكاليف التشغيلية ويحقق عائداً معقولاً للشركاء.

التكاليف الأولية، كما ذكرنا، تتراوح بين 50 إلى 100 ألف دولار للبنية التحتية الأساسية، بالإضافة إلى تكاليف شهرية للبث والتشغيل. إذا قسمنا هذه التكاليف على 5 مؤسسات، فإن حصة كل مؤسسة لن تتجاوز 20 ألف دولار، وهو مبلغ معقول جداً مقارنة بالعائد المتوقع.

الأهم من ذلك، القناة ستخلق قيمة إضافية من خلال توفير منصة جديدة لنشر المحتوى، وتعزيز العلامات التجارية، وتوسيع قاعدة الجمهور. الصحفيون الذين يكتبون للصحف المطبوعة يمكنهم أيضاً الظهور على الشاشة، مما يعزز حضورهم ومصداقيتهم. التقارير المكتوبة يمكن تحويلها إلى تقارير مصورة، والتحقيقات الصحفية يمكن إنتاجها كأفلام وثائقية قصيرة.

نجاح أي مشروع مشترك يعتمد بشكل أساسي على وضوح نموذج الحوكمة وعدالته. يجب أن يقوم النموذج على مبادئ واضحة تضمن حقوق جميع الشركاء وتحفظ استقلالية المحتوى. يمكن أن يتخذ شكل شركة مساهمة مشتركة، تمتلك فيها كل مؤسسة حصة تتناسب مع حجم مساهمتها، مع تشكيل مجلس إدارة يمثل جميع الشركاء.

من الضروري أن يتضمن هذا النموذج آليات واضحة لحماية الاستقلال التحريري، بحيث لا تهيمن مؤسسة واحدة على المحتوى، ولا تتحول القناة إلى منبر لأجندة معينة. يمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء هيئة تحريرية مستقلة تضم ممثلين عن جميع الشركاء، تضع المعايير المهنية، وتشرف على التوازن في التغطية، وتضمن التنوع في الآراء والمصادر.

كما يجب أن يشمل النموذج آليات واضحة لتوزيع العوائد، سواء من الإعلانات أو الاشتراكات أو الرعايات، بما يضمن عدالة التوزيع ويحفز جميع الأطراف على الاستمرار في الاستثمار. الشفافية المالية والإدارية ستكون عاملاً حاسماً في بناء الثقة واستدامة المشروع.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل تسمح الأنظمة الإعلامية بقيام مثل هذا الكيان المشترك؟ الإجابة: نعم. في السنوات الأخيرة، شهدت المملكة تحولات جذرية في منظومتها الإعلامية، تماشياً مع رؤية 2030 التي تشجع على الشراكات، والاستثمار الخاص، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير الصناعات الإبداعية.

من الناحية النظرية والعملية، لا يوجد ما يمنع قانونياً من إنشاء شركة إعلامية مشتركة، شرط الالتزام بالضوابط التنظيمية والحصول على التراخيص اللازمة. بل إن التوجه الحكومي الحالي يميل نحو تشجيع مثل هذه الشراكات التي تعزز الكفاءة الاقتصادية وتدعم التنافسية وتسهم في تحقيق أهداف رؤية 2030.

التحدي الحقيقي لا يكمن في الجانب التنظيمي، بل في الإرادة المؤسسية، والشجاعة لاتخاذ القرار، والقدرة على بناء نموذج عمل واضح. الأنظمة موجودة، والفرصة متاحة، والسوق جاهز، ما ينقص هو المبادرة والتنفيذ.

بالرغم من المنطق الاقتصادي القوي والفرص الواعدة، فإن التحديات التي تواجه هذا المشروع ليست تقنية أو مالية بالدرجة الأولى، بل ثقافية ومؤسسية. كل مؤسسة لها تاريخها العريق، وهويتها المستقلة، وثقافتها الخاصة، وجمهورها الوفي، والتخلي عن جزء من هذه الاستقلالية لصالح مشروع مشترك يتطلب قناعة عميقة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

هناك أيضاً تحدي الثقة، فكل مؤسسة ستحتاج إلى ضمانات بأن مصالحها محمية، وأن صوتها مسموع، وأن استثمارها سيحقق عائداً عادلاً. لكن هذه التحديات، بالرغم من جديتها، ليست مستحيلة التجاوز. التجارب الدولية تقدم نماذج ناجحة لشراكات إعلامية مشتركة، من وكالات الأنباء التعاونية إلى القنوات الإخبارية المشتركة بين عدة دول، إلى منصات المحتوى الرقمي التي تجمع عدة ناشرين.

في نهاية المطاف، المؤسسات الصحفية السعودية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتحد وتتعاون لبناء مستقبل مشترك، أو أن تستمر منفردة في طريق الموت البطيء. الأرقام واضحة، العائدات تتناقص، والمنافسة تتزايد، والقدرات المهنية تضعف، والمستقبل قاتم إذا استمرت الأمور على حالها.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.