: آخر تحديث
حدود الأخلاق المُحسَّنة حيويًا:

حين تتقدّم التقنية أسرع من الضمير

2
1
1

لم يكن الإنسان في أي مرحلة من تاريخه أقرب إلى القدرة على كل شيء كما هو اليوم، ولا أبعد عن الحكمة كما ينبغي له أن يكون. فالمعرفة التي راكمها العقل البشري عبر القرون انفجرت في شكل تكنولوجيا ذات قوة هائلة، قادرة على البناء كما على الإبادة. ولعل أسلحة الدمار الشامل ليست سوى المثال الأوضح على هذه المفارقة القاسية: ما صُمّم باسم التقدّم قد يحمل في داخله إمكانية الفناء النهائي. وكما نبّه هانس يوناس، فإن القوة الجديدة التي امتلكها الإنسان تفرض عليه مسؤولية أخلاقية جديدة لم يتهيأ لها بعد.

غير أنّ المقلق حقًا ليس تسارع التطور التكنولوجي بحد ذاته، بل الفجوة العميقة بين هذا التسارع وبين بطء تقدمنا الأخلاقي. فبينما توسّعت أدواتنا إلى حدود غير مسبوقة، ظل ضميرنا يتحرك بخطى قصيرة، مترددة، وكأنّه ينتمي إلى عصر آخر. الخطر، كما يشير إليه الواقع المعاصر، لم يعد حكرًا على النخب أو الدول، بل صار في متناول أيدٍ كثيرة، بعضها يفتقر إلى الحد الأدنى من الحكمة. وهنا يبرز السؤال الحرج: هل ما نملكه من أخلاق يكفي للتعامل مع ما نملكه من قوة؟

ينطلق الفيلسوفان إنغمار بيرسون وجوليان سافوليسكو من فرضية مقلقة بقدر ما هي واقعية: سلوكنا الأخلاقي ليس محايدًا أو مطلقًا، بل مقيد ببنيتنا البيولوجية ذاتها. نحن نحمل داخل أجسادنا تحيزات أخلاقية متجذّرة في الزمن والمكان والعدد. فنحن، على سبيل المثال، نُبدي تعاطفًا أكبر مع من يشاركنا القرب المكاني؛ فمعاناة الغريب القريب تُحرّكنا أكثر من معاناة آلاف الغرباء البعيدين. ليست هذه قسوة واعية، بل محدودية فطرية.

ويزداد الأمر تعقيدًا حين يتدخل الزمن. فنحن نميل إلى تأجيل الألم والمعاناة المستقبلية، حتى لو كان ذلك على حساب تضخيمها لاحقًا. تحيزنا للمستقبل القريب يجعلنا نؤجل القرارات الصعبة، كما نفعل مع أزمات كبرى مثل تغيّر المناخ، وكأن الزمن نفسه خدعة أخلاقية نُقنع بها ضمائرنا. أما حين تصبح الأعداد هائلة، فإن الحس الأخلاقي يضعف أكثر؛ فالكثرة تُربك التعاطف، وتخلق ما يُعرف بـ"عدم الحساسية للسعة"، حيث تفقد الأرقام معناها الإنساني.

هذه الحدود البيولوجية قد تفسّر كثيرًا من سلوكياتنا المعاصرة: صعود كراهية الأجانب، اللامبالاة تجاه الكوارث البعيدة، والعجز الجماعي أمام أخطار كونية. صحيح أن التعليم والتنشئة يمكن أن يخففا من هذه النزعات، لكن وتيرتهما بطيئة، فيما الأخطار تتسارع. من هنا، يقترح بيرسون وسافوليسكو حلاً راديكاليًا: التمكين الحيوي الأخلاقي. فإذا كنّا نعزّز قدراتنا الجسدية والعقلية بالأدوية والتقنيات، فلماذا لا نعزّز أيضًا قدرتنا على التعاطف، والعدالة، وضبط العدوان؟

المفارقة هنا أن الإنسان، بعد أن أعاد تشكيل بيئته عبر التكنولوجيا، يُطالَب الآن بإعادة تشكيل ذاته ليتمكن من العيش في هذا العالم الذي صنعه. علم الأحياء، وفق هذا الطرح، قد يفتح الباب أمام أدوية أو تعديلات جينية تُقوّي النزعات الأخلاقية، وتجعل السلوك القويم أكثر تلقائية. غير أن هذا الأفق، بالرغم من إغراءاته، لا يخلو من ظلال كثيفة.

أول هذه الظلال أن تقنيات كهذه ستُطوَّر وتُدار من قبل بشر ما زالوا، بحسب الفرضية ذاتها، يعانون "قصورًا أخلاقيًا". فمن يملك حق تحديد أي أخلاق يجب تعزيزها؟ وهل ما يُسمّى بـ"أخلاق الحس السليم" يصلح معيارًا عالميًا؟ التاريخ يخبرنا أن ما يُعد بديهيًا في ثقافة ما قد يكون موضع شك أو رفض في ثقافة أخرى. حتى القيم التي تبدو كونية ليست بمنأى عن النقد أو التسييس.

الأخطر من ذلك أن التمكين الحيوي الأخلاقي قد يهدد الحرية الإنسانية ذاتها. والحرية، وإن لم تكن قيمة مطلقة، تظل شرطًا أساسيًا للفعل الأخلاقي الأصيل. فكيف يمكن لعمل أن يكون أخلاقيًا إذا لم يكن نابعًا من اختيار؟ هنا يتردد صدى كانط، الذي رأى أن الأخلاق تفقد معناها إن لم تصدر عن إرادة حرة. فإذا جُعل الإنسان خيّرًا بحكم التعديل البيولوجي، فهل يبقى فاعلًا أخلاقيًا، أم يتحول إلى كائن مُبرمج على الفضيلة؟

قد لا نكون فقط ما نفعله، لكن ما نفعله هو الطريقة التي يظهر بها وجودنا في العالم. أفعالنا ليست تفاصيل عرضية، بل تجليات لهويتنا. وإذا ما انتُزعت منا حرية الخطأ، فهل نفقد معها إمكانية أن نكون أنفسنا؟ وهل يصبح الخير، حين يُفرض من الداخل، شكلاً آخر من أشكال الفقد؟

هكذا نصل إلى السؤال الأخير، والأكثر إيلامًا: إذا أنقذنا العالم عبر تحسين أخلاقنا بيولوجيًا، فهل نكون قد أنقذنا الإنسان أم أضعناه؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.