رحلوا.. كانوا هنا ورحلوا، وأسأل نفسي، سعيد السريحي كان هنا، كان قريبا جدا، كان يعيش في نفس المدينة التي أعيش فيها، ويجلس مع الناس الذين أعرفهم وأجلس معهم، رأيته عدة مرات في مناسبات مختلفة، حزنت لمرضه، وحزنت لرحيله، أستمع إلى آرائه وأحبها وأعيد نشرها، أقرأ كتبه وأقتبس منها. لماذا إذًا لم أحرص على الاقتراب منه أكثر في حياته، لماذا لم أكن أجتمع به كما يجتمع به كل الناس الذين أقرأ مرثياتهم الآن؟
رحلت قبله ثريا قابل، ثريا التي كتبت عنها مقالا في هذا المكان قبل عدة سنوات، ثريا التي تربينا على أغانيها وأشعارها، ثريا التي حين كتبت عنها أدهشتني بريادتها في عالم الأدب وكيف كانت النموذج الذي قاد وسمح لأخريات أن يحلمن نفس الحلم ويحققنه كما حققته ثريا قابل من قبل. رسمت لها بورتريها أيضا. ثريا قابل التي تعيش في نفس المدينة، ثريا قابل التي أطلق اسم أهلها على أحد الشوارع التي كنت أذرعها مع والدي في طفولتي، أيضا لم أرها في حياتي. لم أجلس معها ولم أستمع إليها تحكي حكاياتها كما فعل الكثيرون.
حتى اليوم هناك العديد من المبدعين الكبار الذين يعيشون في جدة، أو مدن المملكة، أو حيث أذهب.. يراودني هذا السؤال دائما، بالأخص حين يرحل شخص قريب فكريا وفنيا، أندم أحيانا، أغضب من نفسي على الفرص التي فوتها، لذلك قررت أن أفهم نفسي، حتى لا أعود للندم والتبكيت، وفهمت نفسي، وقررت ألا أغضب منها ولا ألومها على ما فوّتت.. هذا طبعي، أنا لا أسعى للقاء المبدعين، إذا جمعتنا الظروف والمناسبات أسعد بذلك لأبعد حد، لكنني لا أعرف المبادرة، أو الاستمرار في التواصل. أعتقد أن أكثرنا كذلك.
في النهاية، ماذا كان لقاء واحدا بثريا قابل سيضيف لي أكثر من معرفتي بأغانيها وحياتها، أكثر من هذا الحب الذي أحبه لها دون أن ألتقي بها، وما الذي يخلد المبدعين سوى ذلك، سوى كل هذا الحب الذي نحبهم بدون أن نلتقيهم.
سعيد السريحي أيضا، أعتقد أنه كان يعرف لأي مدى أحترمه وأقدره وأستمتع بقراءة كتبه وأتفق معه في أغلب أقواله. أليس ذلك هو المهم، هو جوهر ما يريد المبدع أن يصل إليه؟
لذلك أصبح لدي الآن هذه القناعة، سأستمر في معرفة الناس بدون أن ألتقيهم، بدون شعور بأنني خذلت نفسي حين لم أفعل. فأنا أقرأهم، وأستمع إليهم وأقدر فنهم، هذا ما يريدونه مني، وهذا ما أقوم به. وحين يرحلون، سيكونون قد قدموا ما يخلد ذكراهم. وما جعلني أعرفهم وأحبهم حتى لو لم ألتقيهم.. وهذا هو المهم.

