في زمن مضى، كان الوصول إلى الشهرة يحتاج إلى موهبة أو علم أو إنجاز أو تضحية. كان الإنسان يقطع سنوات طويلة من العمل ليحصل على احترام المجتمع، وكانت الأضواء تُسلَّط على العلماء والمفكرين والمبدعين وأصحاب البصمة الحقيقية. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة بصورة صادمة. أصبح بإمكان شخص لا يملك علمًا ولا مهارة ولا رسالة أن يتحول خلال أيام إلى نجم يتابعه الملايين، بينما يبقى أصحاب المعرفة الحقيقية في الظل.
المشكلة ليست في الحمقى وحدهم، فالتفاهة كانت موجودة دائمًا في كل عصر. المشكلة الحقيقية أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قررت منح التفاهة مكافآت لم تحصل عليها في أي مرحلة من التاريخ. أصبحت المنصات الرقمية تكافئ الصدمة أكثر من الفكرة، والضجيج أكثر من الحكمة، والاستفزاز أكثر من المعرفة.
الخوارزمية لا تسأل: هل هذا المحتوى مفيد؟ هل يرفع مستوى الوعي؟ هل يضيف شيئًا للإنسان؟ إنها تسأل سؤالًا واحدًا فقط: هل سيبقى المستخدم أمام الشاشة مدة أطول؟
ومن هنا بدأت الكارثة، لأن الإنسان بطبيعته ينجذب أحيانًا إلى الغرابة والفضيحة والمشاهد المثيرة للجدل أكثر من انجذابه إلى المعرفة العميقة. وعندما اكتشفت المنصات هذه الحقيقة النفسية، تحولت إلى مصانع ضخمة لإنتاج الانتباه بأي ثمن. لم يعد الهدف بناء مجتمع أكثر وعيًا، بل بناء جمهور أكثر إدمانًا.
كل دقيقة يقضيها المستخدم أمام الشاشة تعني مزيدًا من الإعلانات، ومزيدًا من الأرباح، ومزيدًا من البيانات التي يمكن بيعها وتحليلها واستثمارها. لذلك أصبحت التفاهة استثمارًا مربحًا.
تأمل المشهد من حولك، شباب يحفظون أسماء مشاهير لم يقدموا للبشرية شيئًا، ولا يعرفون أسماء العلماء الذين غيروا وجه العالم. ملايين المشاهدات تذهب لمقاطع فارغة من المعنى، بينما تكافح المواد التعليمية والثقافية للوصول إلى جزء بسيط من هذا الانتشار. أصبح بعض الناس مشهورين فقط لأنهم يصرخون أكثر، أو يثيرون الجدل أكثر، أو يقدمون محتوى أكثر سطحية.
والأخطر من ذلك أن الشهرة نفسها أصبحت دليلًا زائفًا على القيمة، فالكثيرون يفترضون أن من يملك ملايين المتابعين لا بد أن يكون مؤثرًا أو مهمًا أو ناجحًا. وهكذا تبدأ دائرة مغلقة من التضليل. الشهرة تجلب المال، والمال يجلب انتشارًا أكبر، والانتشار يجلب شهرة أكبر، حتى يتحول الفراغ إلى صناعة كاملة.
إن المجتمع الذي يجعل من التافه بطلًا ومن صاحب المعرفة شخصًا مجهولًا، يدفع ثمنًا باهظًا على المدى الطويل. لأن الأجيال الجديدة تتعلم من النماذج التي تراها أمامها. وعندما ترى أن الطريق الأسرع إلى المال والنجاح يمر عبر الاستعراض والضجيج والسطحية، فإنها ستبدأ بتقليد ذلك النموذج.
لا أحد يطالب بإلغاء الترفيه، ولا أحد يدعو إلى عالم كئيب يخلو من المرح. لكن هناك فرقًا هائلًا بين الترفيه وبين صناعة التفاهة. الترفيه يمكن أن يكون ذكيًا ومفيدًا وممتعًا في الوقت نفسه. أما صناعة التفاهة فهي عملية مستمرة لتخفيض سقف الوعي حتى يصبح الإنسان مستهلكًا دائمًا، لا يفكر كثيرًا، ولا يسأل كثيرًا، ولا يبحث كثيرًا.
لهذا يجب أن نتوقف عن منح الشهرة لمن لا يستحقها. كل مشاهدة هي صوت. كل متابعة هي تصويت. كل مشاركة هي مساهمة في صناعة واقع ثقافي جديد. عندما نتابع المحتوى السطحي فإننا لا نستهلكه فقط، بل نموله ونمنحه مزيدًا من القوة والانتشار.
المعركة الحقيقية اليوم ليست على الشاشات فقط، بل على العقول. والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل فرد على نفسه: هل أنا أرفع قيمة ما أشاهده، أم أن ما أشاهده يخفض قيمتي؟
التاريخ لم يتقدم بفضل أصحاب الضجيج، بل بفضل أصحاب الأفكار. الحضارات لم تبنِها المقاطع العابرة، بل بناها العلماء والمفكرون والمبدعون والحالمون. لذلك، قبل أن تمنح إعجابك القادم أو متابعتك القادمة، اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا:
هل أنا أساهم في صناعة قيمة حقيقية، أم أشارك في تحويل التفاهة إلى سلطة؟


