في لبنان، النكتة ليست ترفًا. ليست تفصيلًا جانبيًا في يوميات شعبٍ أنهكته الحروب والانهيارات والخطابات الخشبية. النكتة، عند اللبناني، هي وسيلة دفاع عن النفس. إنها الوسيلة التي تساعده على تخطّي وضع بلدٍ ينهار كل صباح، ثم يُطلب منه مساءً أن يصفّق للذين هدموه. لذلك، عندما يأتي من يقول لنا: "نحن لا نقبل المزح"، فهو لا يعلن فقط موقفًا من برنامج ساخر أو صورة كاريكاتورية أو تعليق على وسائل التواصل. هو يعلن، ببساطة، أنه لا يفهم لبنان.
والأخطر أنه لا يريد أن يفهمه.
فاللبناني، بطبيعته السياسية والاجتماعية، يسخر من نفسه قبل أن يسخر من غيره. يسخر من زعيمه، ومن طائفته، ومن منطقته، ومن مصائبه، ومن انقطاع الكهرباء، ومن الدولار، ومن الدولة التي لا تثبت كيانها، ومن الدولة الحاضرة فقط عندما تريد توقيف صحافي أو ترهيب صاحب رأي. هذه ليست قلة احترام؛ هذه ثقافة. وهذه الثقافة، مهما حاولوا تطويعها أو إخافتها أو حشرها في زواريب التحريض المذهبي، تبقى أقوى من كل خطاب يدّعي القداسة، وهو غارق في السياسة حتى أذنيه.
وهنا، لا أقول إن حزب الله ليس لبنانيًا بالهوية أو بالبطاقة أو بالولادة. المسألة أعمق من ذلك وأبسط في الوقت نفسه. هو ليس لبنانيًا بهذا المعنى الثقافي تحديدًا: معنى القدرة على احتمال النكتة. فلبنان، قبل أن يكون حدودًا وجواز سفر، هو مزاج؛ إنه خفة ظل وسط الخراب. لبنان يعني أن تسخر من الزعيم ولو كنت تنتخبه، وأن تضحك على الطائفة ولو كنت ابنها، وأن تحوّل المأساة إلى نكتة كي لا تتحوّل أنت إلى مأساة. حزب الله لا يشبه هذا اللبنان. إنه حزب يأخذ نفسه بجدية قاتلة، حرفيًا وسياسيًا، ويريد من الجميع أن يأخذوه بالجدية نفسها. ولهذا، عندما يعجز عن تقبّل أي نكتة، فهو لا يدافع عن كرامته، بل يفضح غربته عن الروح اللبنانية.
المشكلة ليست في النكتة، المشكلة في من يخاف منها.
من لا يحتمل أن يكون مادة للسخرية، عليه أولًا أن يتوقف عن تحويل نفسه إلى نكتة سياسية تمشي على قدمين. لا يمكنك أن تخوض السياسة، وأن تهدد اللبنانيين بالحرب والسلم، وأن تزج البلد في صراعات إقليمية، وأن تصادر قرار الدولة، وأن تتحدث عن الانتصارات فيما الناس تدفن أبناءها وتبحث عن بيوتها المهدمة، ثم تقول للناس: ممنوع أن تضحكوا، ممنوع أن تسخروا، ممنوع أن تلاحظوا التناقض الفاضح بين الخطاب والواقع.
هذا ليس احترامًا للدين ولا دفاعًا عن المقامات. هذا استخدام للدين كدرع سياسي. فعندما يكون الشخص فاعلًا سياسيًا أو قائدًا حزبيًا، وصاحب موقف في الحرب والسلم، يصبح نقده واجبًا. والسخرية منه تصبح جزءًا من النقاش العام. أما محاولة تحويل كل نقد سياسي إلى اعتداء طائفي، فهذه حيلة قديمة ومكشوفة. الهدف منها ليس حماية كرامة أحد، بل حماية سلطة لا تريد أن تُسأل، ولا تريد أن تُحاسب، ولا تريد حتى أن يُضحك عليها.
وهنا يكمن جوهر المسألة: اللبناني الحقيقي لا يخاف من النكتة. قد ينزعج منها، قد يرد عليها، قد يقابلها بسخرية مضادة، وهذا كله طبيعي. أما أن يُستدعى الشارع، وأن يُلوّح بالسلاح، وأن تتحوّل صورة ساخرة إلى أزمة وطنية، فهذا يعني أننا لم نعد أمام رأي عام، بل أمام عقل أمني يريد أن يحكم المجال العام بمنطق الترهيب.
والترهيب عدو لبنان.
لبنان الذي نعرفه لم يصنعه أصحاب الوجوه العابسة ولا خطباء "الممنوع". لقد صنعه الصحافيون، والمسرحيون، ورسامو الكاريكاتور، وكتّاب الزجل، وأهل النكتة السوداء، والناس الذين يضحكون في عزّ الكارثة لأن البكاء وحده لا يكفي. لبنان لا يعيش بلا سخرية، لأن السخرية فيه ليست هروبًا من الحقيقة، بل طريقة لكشفها. أحيانًا تفصح النكتة عمّا لا تقوله نشرة الأخبار. وأحيانًا يكشف الكاريكاتور ما تخفيه ألف خطبة.
لذلك، من يريد أن يكون لبنانيًا عليه أن يقبل بهذه القاعدة البسيطة: لا قدسية في السياسة، ولا حصانة لمن يتدخل في حياة الناس ومستقبلهم وأمنهم واقتصادهم. من يتكلم باسم الناس، يُنتقد باسم الناس. ومن يقرر عنهم، يُسأل عن قراراته. ومن يرفع إصبعه في وجههم، عليه أن يقبل بأي موقف ساخر قد يواجهه.
أما الذين يعتقدون أن السلاح يمنحهم حق التحكم حتى بالضحك، فهم يؤكدون بالضبط ما تحاول السخرية ترجمته عنهم. يؤكدون أنهم يخافون من صورة، من مشهد، من نكتة، لأنهم يعرفون أن هيبتهم ليست مبنية على احترام حر، بل على خوف مصطنع. والهيبة التي تسقط أمام نكتة ليست هيبة، إنها بالون منفوخ بخطابات وتهديدات، ينتظر دبوسًا صغيرًا.
في النهاية، القضية ليست من يضحك على من. القضية: هل نريد بلدًا يحق فيه للناس أن يقولوا إن الملك عارٍ، أم نريد سجنًا كبيرًا يطلب منا أن نصفق للملك ولو كان هو نفسه النكتة؟
لبنان، بكل عيوبه، لا يمكن أن يُمنع من الضحك. ومن لا يحتمل نكتة سياسية، لا سيما عندما يكون هو نفسه نكتة سياسية متنقلة، فمشكلته ليست مع السخرية. مشكلته مع لبنان نفسه. بهذا المعنى، حزب الله ليس لبنانيًا؛ لا لأنه لا يحمل هوية لبنانية، بل لأنه يريد وطنًا بلا نكتة، وبلا كاريكاتور، وبلا ضحكة تعرّي السلطة. وهذا الوطن، ببساطة، لا يمكن أن يكون لبنان.


