المشهد الحالي لا يمكن قراءته باعتباره صراعًا عسكريًا صرفًا، ولا مفاوضات تقليدية مكتملة المعالم، بل هو أقرب إلى "إدارة توازنات تحت الضغط". الولايات المتحدة تواصل الجمع بين التصعيد العسكري والانفتاح السياسي، بينما تحاول إيران تثبيت صورة الطرف المتماسك القادر على المناورة بالرغم من اتساع دائرة الضغوط. وبين الطرفين، تقف إسرائيل كلاعب يسعى إلى منع أي تسوية لا تنسجم مع رؤيتها الأمنية بعيدة المدى.
في الظاهر، يبدو أن هناك تناقضًا بين التفاؤل الأميركي الحذر وبين تصريحات ترامب المتلاحقة والمتضاربة أحيانًا، لكن عمليًا فإن هذا التناقض جزء من أسلوب تفاوضي قائم على إبقاء جميع الاحتمالات مفتوحة. فواشنطن تريد أن تبقي إيران تحت ضغط دائم، دون أن تغلق باب الاتفاق، بينما يسعى ترامب إلى تقديم نفسه داخليًا وخارجيًا بوصفه القادر على فرض "السلام بالقوة"، حتى وإن بدت تصريحاته متقلبة.
في المقابل، تدرك طهران أن هامش المناورة الاستراتيجي لديها تقلّص مقارنة بالمراحل السابقة. فالعقوبات، والضغط العسكري، وتراجع قدرة الحلفاء الإقليميين على خوض مواجهات مفتوحة، كلها عوامل قلّلت من فعالية أدوات الردع التقليدية الإيرانية. وحتى ورقة مضيق هرمز، التي طالما اعتُبرت السلاح الأخطر بيد إيران، لم تعد تحمل القيمة ذاتها؛ لأن أي إغلاق واسع للمضيق لن يضر الغرب وحده، بل سيصيب الاقتصاد الإيراني نفسه، ويضع الصين والهند، وهما من أبرز الشركاء الاقتصاديين لطهران، أمام خسائر مباشرة.
لذلك، فإن الأوراق المتبقية لدى إيران أصبحت أقرب إلى أدوات "تعطيل وإطالة" أكثر من كونها أدوات تغيير جذري للمشهد. فهي لا تزال قادرة على رفع كلفة التصعيد عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة وتحريك حلفائها الإقليميين، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الذهاب إلى مواجهة شاملة قد يفتح الباب أمام استنزاف طويل لا يخدم بقاء النظام ولا استقرار الداخل الإيراني.
ومن هنا، تحاول طهران إعادة صياغة صورة المشهد إعلاميًا وسياسيًا. فهي لا تريد أن تظهر كطرف أُجبر على التراجع، بل كدولة اختارت "التفاهم المشروط" حفاظًا على مصالحها. ولهذا السبب، فإن الخطاب الإيراني الحالي يركز على فكرة "القرار السيادي" لا "الرضوخ"، بالرغم من أن الوقائع تشير إلى أن مساحة الخيارات الحقيقية باتت أضيق بكثير مما كانت عليه سابقًا.
أما واشنطن، فتبدو حتى اللحظة صاحبة الأفضلية السياسية في إدارة التفاوض. فهي استطاعت الجمع بين الضغط الاقتصادي، والتحشيد العسكري، والتلويح بالقوة، مع إبقاء باب الاتفاق مفتوحًا. وهذا يمنحها القدرة على التحرك في مسارين متوازيين: الضغط إذا تعثرت المفاوضات، وإعلان الإنجاز إذا تم التوصل إلى اتفاق.
لكن هذه الأفضلية لا تعني أن الاستراتيجية الأميركية مستقرة بالكامل. فطريقة إدارة ترامب للملف توحي أحيانًا بأن واشنطن تتحرك وفق حسابات يومية مرتبطة بالتطورات الإعلامية والسياسية أكثر من اعتمادها على خطة طويلة المدى واضحة المعالم. التصريحات المتكررة والمتبدلة للرئيس الأميركي تعكس رغبة في إبقاء الخصوم والحلفاء في حالة ترقب دائم، لكنها في الوقت نفسه قد تربك المسار الدبلوماسي، لأن الإفراط في التهديد قد يدفع الطرف المقابل إلى الاعتقاد بأن الهدف الحقيقي ليس الاتفاق بل فرض الاستسلام.
وفي هذا السياق، يمكن فهم التلويح الأميركي المستمر بالخيار العسكري باعتباره أداة ضغط محسوبة، لكنه يحمل أيضًا جانبًا من المخاطرة. فنجاح "دبلوماسية الضغط" يتطلب أن يقتنع الطرف الآخر بأن هناك بالفعل مخرجًا سياسيًا ممكنًا، لا أن يشعر بأن التفاوض مجرد غطاء لتصعيد أكبر.
أما إسرائيل، فهي تبقى العامل الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة. فحتى لو تم التوصل إلى اتفاق أميركي ـ إيراني، فإن احتمال مواصلة تل أبيب لعملياتها ضد إيران سيظل قائمًا، خصوصًا إذا اعتبرت أن الاتفاق لا يحد فعليًا من القدرات النووية أو الصاروخية الإيرانية. إسرائيل لا تنظر إلى أي اتفاق من زاوية وقف الحرب الحالية فقط، بل من زاوية إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي لسنوات طويلة. لذلك، قد تسعى إلى فرض "واقع أمني موازٍ" عبر الضربات المحدودة أو العمليات الاستخباراتية، حتى في ظل وجود تفاهم سياسي بين واشنطن وطهران.
ومن هنا، فإن ربط ترامب احتمالية الاتفاق بتوقيت زيارته إلى الصين لم يكن على الأرجح تفصيلًا عابرًا. فالرئيس الأميركي أراد إرسال أكثر من رسالة في آن واحد: أولها أن واشنطن لا تزال تمسك بإيقاع الملفات الكبرى قبل الدخول في أي مواجهة استراتيجية أوسع مع بكين، وثانيها أن استقرار الخليج يبقى عنصرًا حاسمًا في معادلة الاقتصاد العالمي والطاقة، وثالثها أن الولايات المتحدة قادرة على الجمع بين الضغط العسكري والتفاهم السياسي في الوقت ذاته.
بناءً على كل ذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة ليس "الحسم"، بل "التهدئة المشروطة". أي اتفاق مرحلي يخفف احتمالات الانفجار الكبير، دون أن ينهي جذور الصراع بالكامل. واشنطن ستقدّم أي اتفاق باعتباره نجاحًا لسياسة الضغط، وإيران ستقدّمه بوصفه قرارًا سياديًا حافظ على الدولة والنظام، بينما ستواصل إسرائيل مراقبة المشهد ومحاولة التأثير فيه بما يخدم رؤيتها الخاصة.
وفي المحصلة، فإن المنطقة لا تقف اليوم أمام نهاية أزمة، بل أمام إعادة إنتاجها بصيغة أقل اشتعالًا وأكثر تعقيدًا.


