: آخر تحديث

لعبة الاستنزاف التي تراهن عليها طهران في الخليج

3
3
3

 

 

هل تستطيع إيران أن تحوّل الخليج إلى ساحة استنزاف طويلة من دون أن تتحول هي نفسها إلى الطرف الأكثر استنزافاً؟

منذ اندلاع جولة النار الحالية، اختار نظام الملالي بوعي استراتيجية التنقيط المتواصل: صواريخ باليستية ومسيّرات وضربات متفرقة على منشآت طاقة وموانئ وأهداف عسكرية ومدنية، مع تصعيد محسوب يضمن الضجيج ولا يصل إلى حرب شاملة. خلف هذه الصورة يكمن رهان واضح على إنهاك الخصوم تدريجياً، ورفع كلفة الدفاع، وإبقاء أسواق الطاقة والمال في حالة قلق دائم يدفع العواصم الكبرى إلى الضغط من أجل التهدئة، لكن هذه المعادلة، مهما بدت مغرية على الورق، تخفي تناقضاً بالغ الخطورة؛ فإيران تضغط بورقة النفط ضد الخليج والغرب، لكنها في النهاية تعتمد على استمرار بيع نفطها بوصفه آخر شريان حقيقي للعملة الصعبة.

الحقيقة أن الجزء الأقل حضوراً في النقاش العام هو أن الزبون الأهم للنفط الإيراني ليس الغرب، بل الصين، إذ إن بكين تستحوذ اليوم على النسبة الكبرى من صادرات الخام الإيراني البحرية، بمتوسط يتراوح بين مليون وثلاثمئة ألف ومليون وأربعمئة ألف برميل يومياً، فيما بنت مصافٍ صينية مستقلة جزءاً مهماً من ربحيتها على الخام الإيراني المخفّض السعر، إلى جانب النفط الروسي.

ورغم أن هذا النمط من الاعتماد الأحادي يمنح طهران مورداً مالياً مهماً، فإنه يخلق في الوقت ذاته هشاشة بنيوية خطيرة، لأن أي اضطراب طويل في التصدير لا يكون أزمة عابرة، بل تهديداً مباشراً لقدرة الاقتصاد الإيراني على التنفس. بلا شك، فأي ضربة واسعة تطال موانئ التصدير الإيرانية، من الأحواز إلى جزيرة خرج، لن تكون مجرد مشكلة لطهران، بل ستتحول فوراً إلى أزمة إمداد وضغط مالي على هذه المصافي التي تعيش أصلاً على هوامش ربحية ضيقة.

ومن جانب آخر، فإن باكستان، التي تستفيد بدرجات متفاوتة من النفط الإيراني عبر قنوات رسمية وغير رسمية، لا تملك القدرة الاقتصادية ولا العسكرية التي تجعلها ضامناً حقيقياً لهذا الشريان. والحقيقة المؤكدة أن سقف الشركاء تحدده، في النهاية، فاتورة الطاقة واستقرار الإمدادات، لا خطابات التضامن السياسي.

وهنا تبدأ المفارقة التي تبدو غائبة عن كثير من الخطاب الدعائي الهيستيري الإيراني؛ فطهران تتصرف أحياناً وكأن استهداف منشآت الطاقة الخليجية يمكن أن يبقى لعبة من طرف واحد، وكأن فتح باب الاستنزاف النفطي لن يغيّر قواعد الاشتباك. لكن الواقع يقول شيئاً مختلفاً تماماً؛ فالطرف الذي يشرعن استهداف البنية النفطية لخصومه يفقد تدريجياً القدرة السياسية والأخلاقية، وحتى العملياتية، على الاعتراض عندما تصبح منشآته النفطية نفسها جزءاً من بنك الأهداف.

بالتأكيد، هذه ليست مسألة خطابية، بل منطق بارد وقاسٍ للحروب. فاستهداف منشآت الطاقة لا ينتج تفوقاً دائماً بقدر ما يخلق حالة من تبادل قابلية التعرّض لردّ الفعل المشروع للانتقام، ومع كل موجة هجمات جديدة تتآكل الخطوط الحمراء التي كانت تفصل سابقاً بين الحرب العسكرية التقليدية والحرب على الشرايين الاقتصادية. وبالتالي، عند تلك النقطة، لا يعود الصراع مجرد تبادل صواريخ واعتراضات دفاعية، بل يتحول إلى معركة مفتوحة على القدرة ذاتها على تصدير النفط وحماية الاقتصاد.

أما على المستوى التكتيكي، فتراهن طهران أيضاً على معضلة الردع غير المتماثل؛ فالمسيّرة الرخيصة أو الصاروخ قصير المدى قد يستنزفان صاروخ اعتراض باهظ الكلفة، وكل موجة هجمات تفرض إنفاقاً دفاعياً مرتفعاً وتعطيلاً جزئياً للمطارات والموانئ وقلقاً في الأسواق. ولكن الهدف هنا لا يقتصر على الضغط العسكري المباشر، بل يتعداه إلى تدويل كلفة الصراع عبر تحويل اضطراب الطاقة إلى أزمة عالمية تدفع القوى الكبرى إلى البحث عن تسوية سريعة.

لكن هذه اللعبة الإيرانية تصطدم بثلاث حقائق يصعب تجاهلها؛ فاقتصاد معاقَب لا يحتمل حرب استنزاف طويلة على منشآته النفطية، والصين تريد نفطاً رخيصاً ومستقراً لا فوضى مزمنة تهدد أمن الإمدادات وترفع كلفة الطاقة العالمية، في حين بات خصوم إيران يمتلكون مسوّغاً سياسياً وعسكرياً أوسع لنقل الضغط نحو أدوات القوة الإيرانية نفسها كلما توسعت في استهداف الأصول الحيوية الخليجية.

قد تراهن القيادة الإيرانية على أن بكين لن تسمح بانهيار كامل لقدرة إيران التصديرية، وهذا رهان يحتوي على جزء من الصحة، بلا شك. الصين ستضغط سياسياً لمنع الانفجار الكامل، لكنها ليست حليفاً عقائدياً مستعداً لدفع أي ثمن. الصين دولة براغماتية تقيس علاقاتها بأرقام الإمدادات والميزانيات، لا بخطابات المحور والشعارات الثورية، وتستطيع خلال أشهر إعادة موازنة وارداتها نحو روسيا والإمارات والسعودية والعراق وأفريقيا، ولو بكلفة أعلى.

بالتأكيد، تدرك الصين أن خسارتها ستكون مالية وتفاوضية، لكنها لن تتحول إلى تهديد وجودي. أما إيران، فإن خسارة قدرتها التصديرية لفترة طويلة قد تتحول إلى صدمة تمس استقرار النظام نفسه، وتغلق أمامه آخر شريان فعّال للعملة الصعبة.

المشكلة في حروب الاستنزاف أنها نادراً ما تبقى تحت السيطرة الكاملة لمن يبدأها. فمع كل تصعيد أفقي جديد، ومع كل انتقال للحرب من الميدان العسكري إلى البنية الاقتصادية للطاقة والتجارة، تزداد احتمالات الانزلاق إلى مرحلة يفقد فيها الجميع القدرة على ضبط سقف التصعيد. وعندما تصل الحروب إلى مرحلة استهداف الشرايين النفطية، لا يعود السؤال كم صاروخاً أُطلق أو كم مسيّرة جرى اعتراضها، بل أي اقتصاد يملك القدرة الحقيقية على تحمّل نزيف طويل في بنيته الحيوية.

في النهاية، قد تكتشف طهران متأخرة أن الاستنزاف الذي أرادته لخصومها على الضفة الأخرى من الخليج بدأ يتسرّب من داخلها هي. والرسالة الواضحة أن إيران، التي تبني جزءاً كبيراً من بقائها المالي على تصدير النفط، لا تستطيع تحويل الطاقة إلى سلاح مفتوح من دون أن تتحول منشآتها النفطية نفسها إلى أهداف مشروعة في نظر خصومها. والحروب التي تبدأ باستهداف تدفقات الطاقة نادراً ما تنتهي عند حدود الرسائل السياسية، لأنها تتحول سريعاً إلى صراع على القدرة ذاتها على البقاء الاقتصادي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.