: آخر تحديث

إيلاف في يوبيلها الفضي

0
0
0

الحقيقة تستحق أن نضحي من أجلها
في البدء اسمحوا لي أن أقدم أسمى آيات التهاني والتبريكات بمناسبة احتفال صحيفة إيلاف الغراء باليوبيل الفضي، متمنيًا لها والقائمين عليها دوام التوفيق والسداد والمزيد من العطاء والازدهار والتقدم.

قبل أن أكون أحد كتاب إيلاف، كنت أتابعها باستمرار، وقد لفتني بشكل خاص حضور القضية العراقية بشكل عام، والكوردستانية بشكل خاص في أخبارها وتقاريرها المتنوعة، إلى جانب مقالات وكتابات نوعية لعدد من الأقلام الكوردية والعربية الملتزمة بهذا النهج، وفي مقدمتهم الأستاذ والزميل والصديق والباحث والكاتب المخضرم شيرزاد شيخاني، والمحلل السياسي والكاتب جرجيس كوليزادة، والصديق الراحل والباحث الفلسطيني أحمد أبو مطر، والذي عُرف بكتاباته النقدية والسياسية الجريئة، ودفاعه المستميت عن حقوق الشعوب المظلومة منها الشعب الفلسطيني، والشعوب الكوردستانية.

مشاركتي الأولى في صحيفة إيلاف
تعرفت على الزميل والصديق والباحث الفلسطيني الراحل أحمد أبو مطر من خلال جريدة المؤتمر لسان حال المؤتمر الوطني العراقي المعارض للنظام العراقي البائد، والتي كانت تصدر في العاصمة البريطانية لندن، وقد تولى الباحث العراقي حسن العلوي رئاسة تحريرها وكتابة افتتاحيتها، حيث كنا نكتب فيها ككاتبين لنا قضية مشتركة، فكلانا مررنا بالتحدي ذاته، الظرف ذاته، الخذلان ذاته.

وبعد سقوط النظام العراقي البائد التقينا في مناسبات عديدة، وناقشنا حول أمور مشتركة عديدة، وتبادلنا الأفكار والآراء، نقلت له بكل أمانة ما حدث في الأنفال كشاهد على جرائم النظام البعثي الفاشي، وأهديته ألبوم صور لضحايا حلبجة المنكوبة، وفي إحدى الجلسات طرح عليّ الزميل أبو مطر ضرورة نشر شهادتي كضحية من ضحايا النظام البعثي الفاشي لأهميتها ولإخراجها من الفضاء الكوردي، واختراق الحدود، والوصول إلى الجمهور العربي عبر الصحف والمواقع العربية الرقمية، وأكتب عن معاناة شعبي لكسر الحصار المعلوماتي المفروض عليه، وخاصة كان هناك ولا يزال نقصًا في المعلومات عن القضايا الكوردستانية لأسباب كثيرة أهمها عدم وجود مؤسسة إعلامية كوردية وطنية مؤهلة ومستقلة ناطقة باللغة العربية، وبعيدة عن هيمنة الأحزاب ومصالحها لإيصال صوت الشعب الكوردي إلى العالم العربي، واقترح عليّ أن أراسل صحيفة إيلاف كأول فضاء رقمي عربي، ولانتشارها الواسع لأسباب كثيرة منها: التعريف بالقضايا الكوردستانية، ومخاطبة المواطن العربي بلغته الأم لتفنيد الصور النمطية الخاطئة عن القضايا والمعاناة والتطلعات الكوردستانية، ولتعزيز الحوار والتقارب الثقافي بين الشعوب الكوردستانية والشعوب العربية، وخاصة أن التغييب الممنهج للقضية العراقية والكوردستانية بشكل خاص لم يكن فقط خللًا تقنيًا، بل كان أيضًا محاولة لعزل الضحية عن ضمير العالم العربي، إلى جانب أن الشعوب العربية بشكل عام ينقصها المعلومات والحقائق عن استبداد الأنظمة العراقية المتعاقبة، وتحديدًا عن نظام الطاغية صدام حسين وجرائمه بحق العراق وكوردستان، إضافة إلى أن الأصوات العربية المنتقدة لسلوك الدكتاتور ونظامه القمعي، كانت قليلة جدًا، ضاعت في صخب المثقفين والإعلاميين والمثقفين العرب، الذين كانوا يهيمون بحب صدام حسين كبطل من أبطال الأمة العربية!

وفعلًا رحبت بالمقترح لأهميته طبعًا، وكتبت أول مقالي بعنوان (حلبجة والأنفال) وأرسلته إلى صحيفة إيلاف الغراء، وفعلًا بعد يومين نُشر المقال، واستلمت رسالة قصيرة من الزملاء في هيئة التحرير ترحب بمشاركتي في إيلاف، ومنذ ذلك الوقت أصبحت من أحد كتابها.

ومن خلال كتاباتي بلغة الضاد، وتجربتي المتواضعة في إيلاف، تيقنت بأن الكتابة ومخاطبة القارئ العربي ليست عبارة فقط عن نقل لمجموعة من الأفكار أو الآراء، بل تتعدى لتصبح مسؤولية كبيرة جدًا على عاتقي ككاتب كوردي يحاول إيصال صوت شعبه المظلوم للعالم العربي، وأن اختيار المواضيع وإيصالها للمتلقي العربي كانت ولا تزال مهمة صعبة إلى جانب محاولتي لتناول المواضيع بطريقة سلسة وواضحة وهادفة يمكن فهمها من قبل الجميع على اختلاف مستوياتهم الثقافية والتعليمية، إلى جانب ضرورة طرح المواضيع والأفكار بلغة عقلانية وجذابة ورصينة في الوقت نفسه، وخاصة بعد أن أثار بعض المعلقين وبأسماء وهمية في بداية مشواري في إيلاف زوابع من لا شيء، وواجهت من بعضهم سوء الظن والإساءة والتعدي بكلمات جارحة، ولكن بعد مناقشتهم وتخصيص مقال خاص بالمعلقين بين حين وآخر اجتزنا الأمر إلى حد ما.

من خلال تجربتي في إيلاف تعرفت على خيرة الكتاب والمثقفين العرب، إضافة إلى العديد من المتابعين الأعزاء من مختلف أنحاء الوطن العربي، وأصبحت إيلاف منبرًا لنشر الأفكار ومناقشة الآراء بقلب حار ورأس بارد بعيدًا عن التشنج والعنصرية وإلغاء الآخر.

قدمت إيلاف خلال السنوات الماضية أنموذجًا لصحافة تحترم عقل القارئ، وتلتقط نبض مجتمعاتنا، وتعيد الاعتبار لمعنى المهنية وأثرها في ذاكرة المتلقي، وعليه أصبحت إيلاف مرجعًا في مجالها ومواضيعها المتنوعة وضوابطها الصحافية.

عايشت إيلاف ككاتب وصحافي وباحث منذ سنوات، وحسب تجربتي المتواضعة، أقول بكل صدق وأمانة، غطّت إيلاف مختلف الفنون الصحافية من مقالات، وأخبار، وتحقيقات، وتقارير متنوعة، واستطلاعات، وريبورتاجات، وفنون، وحوارات، وبأسلوب مهني متكامل مع عمق المعالجة، وتميّزت مواضيعها مع دقة المعلومات وموضوعية التحليل، كما أسهمت في ترسيخ الوعي الجماعي، وحسب متابعتي المستمرة لها وأحد كتابها أقول إن بعد مرور ربع قرن على بزوغ فجرها تقترب إيلاف يومًا بعد يوم من آمال الناس وتطلعاتهم من خلال محتواها المهني ومراعاتها لقضايا عامة تهم المواطن في مجتمعاتنا.

حافظت إيلاف خلال مسيرتها على مكانتها كمنارة للفكر، متمسكة بأعلى معايير المهنية، وحاولت ولا تزال وباستمرار التجديد والحيادية في مواضيعها المتنوعة بعيدًا عن الرقابة الصارمة التي تتدخل في كل كبيرة وصغيرة، أقول وأنا مسؤول عن كلامي نجحت إيلاف بالرغم من التحديات إلى حد ما في تغيير الكثير من مواضيعها نحو الأحسن، وعليه انتقلت أسوة ببعض زميلاتها من أحد أقطاب السلطة الرابعة إلى السلطة الأولى.

ولدت إيلاف لتكون المدرسة الرقمية الأولى تؤمن بالأقلام المتنوعة، وتسلط الضوء على القضايا الملحة والملفات الشائكة والمهمة، وعلى المشاكل التي يعاني منها المواطن في مجتمعاتنا المليئة بالازدواجية والتناقضات.

إن نجاح إيلاف يعتمد بشكل كبير على كفاءة قيادتها وطاقمها المحترف والمهني، وكتابها من أصحاب الأقلام الملتزمة، وقرائها حيث يشكلون جميعًا معًا ربان السفينة وفريق عمل متكامل.

تتبع صحيفة إيلاف منهجًا في العمل الجاد والمهني جعل منها مدرسة إعلامية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مدرسة تلتزم بشكل راقٍ بقواعد المهنة، وتبدع في أنواع المحتوى، ولا أبالغ عندما أقول إنها المدرسة الرقمية الأولى من حيث المحتوى الإعلامي المتنوع والغني، وإنها تحظى باهتمام الوسط الصحافي والسياسي والثقافي والرياضي العربي، إلى جانب الرأي العام في إقليم كوردستان.

أخيرًا، إن الكلمة الصادقة حين تُنشر تتحول إلى أثر، وإن من يؤمن بالكلمة الحرة والحيادية ويقدرهما لا يمكن أن يرى في إيلاف إلا تجربة ناجحة تستحق المواصلة والدعم.

تحية لإيلاف التي تراهن بمحتواها على أن تتسيد المشهد والشاشة العربية كصحيفة رقمية تسبق عصرها تقنيًا، وأتمنى لأسرتها المزيد من التقدّم والمواصلة في أداء رسالتها الإعلامية بما يليق بمكانتها وبثقة قرّائها.

كل التهاني لكافة الزملاء في إيلاف الغراء بهذه الذكرى وبما حققوه من إنجاز مهني يحسب لهم، وأتمنى للجميع مزيدًا من النجاح والتألق والتقدّم والمواصلة في أداء رسالتهم الإعلامية بما يليق بمكانة إيلاف وبثقة قرّائها.

وتحية وفاء وتقدير للزميل والصديق والباحث الفلسطيني الراحل أحمد أبو مطر الذي كان من أحد كتاب إيلاف المتميزين، وسخر لسانه وقلمه للدفاع عن حقوق الشعوب المظلومة ومنها الشعب الكوردي.

وبما أن لإيلاف متابعين وكتابًا وقراء كورد، اسمحوا لي أن أختتم مشاركتي المتواضعة باللغة الكوردية وأقول: (پیرۆزە ساڵرۆژی دەرچوونی و دامەزراندنی رۆژنامەی ئیلاف..هیوای سەرکەوتن و بەردەوامی بۆ دەخوازم لە خزمەتکردنی بواری ڕۆژنامەوانی، کلتوری، زانیاری، هەواڵ..هەمیشە ئیلاف پێشەنگ و درەوشاوە بێت).


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.