الأمر التالي شديد الأهمية وشديد الصعوبة، وقلة ستقوم بفعل شيء، ولست أفضل من غيري، انا فقط أعلق الجرس.
ورد في مقال في «نيويورك تايمز» أن النظام الغذائي والرياضة أساسيان لصحتنا ورفاهيتنا، لكن الإنسان عاش لآلاف السنين جاهلا بتلك العلاقة، التي لم نعرفها إلا عام 1955، عندما تعرض الرئيس الأمريكي أيزنهاور لأزمة قلبية، وهو في الـ64 من العمر فقط، وكان رمزًا للقوة والحيوية الأمريكية، فدفع ذلك الأطباء لمعرفة سبب ما حدث لشخص رياضي مثله، وقام الدكتور الشهير بول وايت، بدراسة الحالة وشرحها تاليا، والتركيز على التوعية بأمراض القلب، وكيف أن بإمكاننا اتخاذ خطوات لتقليل خطر الإصابة بها، وكانت تلك بداية ترسيخ أهمية النظام الغذائي والرياضة، ودورهما في الوفيات، فنمط الحياة العصري جعلنا نعيش في المكاتب ولا نعرف شيئا عن رياضات الهواء الطلق. وظهر بعدها مصطلح «قليل الدسم»، وانتشر هوس الجري، وفيديوهات جين فوندا، وأصبح العالم ينظر للطعام والرياضة بطريقة مختلفة، لكن لم يستمر الحال طويلا، حيث عدنا أسرى البريد الإلكتروني والهاتف النقال، وهذا أضعف قدرتنا على التركيز على المهام الذهنية، واختفى العمل العميق من حياة الناس، وانخفض مدى انتباهنا بنحو الثلث عما كان عليه قبل 20 عاما، خاصة بعد أن ظهر الذكاء الاصطناعي، والانشغال بالتيك توك والانستغرام، وأدى استخدامها المتكرر إلى ضعف مهارات التفكير النقدي، وتراجع «ترابط الدماغ» والتفكير، المحرك الأساسي لفهم حياتنا وتنمية مخيلتنا الأخلاقية.
قد يبدو أن هذه الأزمة الإدراكية أمر واقع لا مفر منه، وأثر جانبي للابتكارات التي لا يمكن إيقافها، لكن هل علينا حقًا أن نقبل هذا التراجع التدريجي في قدرتنا على التفكير كأمر حتمي؟
يجب أن نتذكر أننا قمنا، خلال فترة وجيزة، بتغيير طريقة تفكيرنا في الصحة، وهذا يجب أن يدفعنا للبحث عن طريقة ثورية مماثلة وسريعة في كيفية تعاملنا مع تراجع قدراتنا على التفكير، من خلال اتخاذ موقف ضد «المحتوى المُصنّع»، تمامًا كما فعلنا ضد الأطعمة المُصنّعة، وتجنب المشتتات الفكرية، وأن نتوقف، ولو قليلا، لمعرفة أن استخدام هذه الوسائل، بكل فوائدها المُغرية، لا تُبرّر إطلاقا أضرارها، وبإمكان الحكومات دعم الجهود المبذولة لتحسين التغذية الرقمية، كما سبق أن حظرت الأغذية المضرة، مثل الكحول والتبغ، والدعوة للعودة للقراءة، الجادة أو المسلية، والتوقف عن تكرار النظر لشاشات هواتفنا، وقضاء المزيد من الوقت بعيدًا عنها، خاصة بعد أن بينت دراسة حديثة أن إسناد المهام الصعبة إلى الذكاء الاصطناعي أدى إلى زيادة الإرهاق الذهني، فنحن نستخدمه ليس لأنه يحسّن أداءنا في وظائفنا، بل لأنه يساعدنا على تجنب لحظات التركيز العميق. فكلما زاد استخدامنا له، زاد تدهور قدراتنا المعرفية، لذا ستتفاقم المشكلات حتما، ولتجنب الكارثة، نحتاج إلى ثورة شاملة في الدفاع عن الفكر، وضد «القوى الرقمية» التي تسعى لتقويض طريقة تفكيرنا.
المشكلة الكبرى أن الاقتصاد العالمي، المتمثل في بورصة نيويورك، أصبح أكثر اعتمادا على منتجات الشركات التي يحذر منها هذا المقال. ولا يبدو أن هناك «قوة حكومية»، يمكنها الوقوف أمام هذا الوحش الرهيب، كما كان الحال أمام شركات الأطعمة السريعة أو السجائر أو غيرها. كما أن الراحة أو التسلية التي تعطيها وسائل وأساليب التواصل المفرطة في السرعة، يصعب على الغالبية مقاومتها. وربما حان الوقت لكي نتخذ قرارًا فعليًا بالعمل على تغيير هذا الواقع. فقد فعلها الإنسان من قبل وبإمكانه فعلها مرة أخرى.
تقول صديقة، وسجينة سابقة، إنها خرجت من تجربتها القصيرة، حرة جسدا، وحرة فكرا، بعد انتهاء ارتباطها «القسري» السابق بالهاتف النقال.
أحمد الصراف

