: آخر تحديث

من صيد الخاطر: إنَّ البَعُوضَةَ تدْمي مُقْلَةَ الأسَدِ

1
1
1

لا تَحْقِرَنَّ صَغِيراً في مخاصَمَةٍ            إنَّ البَعُوضَةَ تدْمِي مُقْلَةَ الأسَدِ

 بيت عربي شهير منسوب للشاعر العبقري أبي الطيب المتنبي، بيت أصبح مثلاً يطلق، ونصيحة حكيمة تقال لمن يغتر بنفسه، فيستهين بخصم، أياً كان، لصغر حجمه وضعف شأنه.

فالأسد على قوته وبطشه قد تأتيه بعوضة صغيرة لا وزن لها فتلدغ عينه حتى تدميها، وتؤذيه أذى شديداً، فيعجز، رغم جبروته، عن رد أذاها. إنه مثل يُضرب في أن الأشياء أو الأشخاص، ومنها الدول الصغيرة، التي يُستهان بها، قد تتسبب في أذى كبير لمَن هو أقوى وأكبر منها.

هذا البيت ليس مجرد صورة شعرية طريفة، بل هو حقيقة واقعة، فالبعوضة لا تلدغ الأسد في جلده السميك أو عضلاته المفتولة، بل تستهدف مقلته، التي هي أرقّ ما فيه، وأكثر ما في جسمه حساسية، إنها حكمة تكشف أن لكل قوي نقطة ضعف أو ثغرة يمكن التغلب عليها، فتصيب منه مقتلاً، والاستهانة بالضعيف قد تكون مقتلاً حتى للجيوش الجرارة.

النمرود بن كنعان، ذلك الملك الطاغية الذي تحدى الخالق، وادّعى الألوهية، كانت نهايته على يد أصغر وأضعف خلقه، فقد سلّط الله عليه وعلى جيشه ملايين البعوض، فأكل لحومهم وامتص دماءهم وتركهم عظاماً بالية، أما النمرود نفسه فقد أذله الله ببعوضة دخلت من أنفه واستقرت في دماغه، ثم أهلكه الله بعد عذاب استمر أربعين عاماً، لقد أنهت أسطورته حشرة لا تكاد تراها العين المجردة.

مملكة سبأ كانت تعيش حالة من الزهو بحضارتها وقوتها، وبسدها الذي أبهر العالم بعظمته، حضارة سبأ دُمِرت بسبب فأر لم يكن يملك أياً من أسباب القوة حتى يدمر ذلك السد الهائل، ولكن ذلك حصل، فالفأر بدأ بحفر جحر صغير، والجحر الصغير أصبح نفقاً، والنفق صار مجرى تتدفق فيه مياه السد بقوة أدت في النهاية إلى تآكله ثم انهياره، ومع انهيار سد مأرب انهارت حضارة أمة بأكملها، فمن كان يخشى من فأر على سد حارت بعبقرية صنعه الأمم؟!

الفأر لم يهدِم السد في يوم وليلة، واستيطان الفئران داخل جسم السد كان يحتاج إلى أشهر وسنوات، واختراقها للسد كان دليلاً على الإهمال، وغياب الرقابة وعدم الإحساس بالمسؤولية، لقد استهان الجميع بمستصغر الشرر، فانهارت حضارتهم بأكملها.

الاستهانة بالصغائر هي بداية سقوط العمالقة، السدود لا تسقط دائماً بالزلازل أو الصواريخ، بل تسقط أحياناً من الداخل بسبب أشياء نعتقدها تافهة، الحضارات لا تنهار فقط بسبب الهزائم والكوارث، ولكنها أيضاً تسقط من الداخل عندما يستهان بصغائر الأمور.

الرسول ﷺ قال فيمن يحتقر الصغائر: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ».

أما الشاعر فقال:

لا تَسْتَهِنْ بِالشَّرَرِ الْمُسْتَصْغَرِ             فَالْفَحْمُ لَوْ لَمْ تُذْكِهِ لَمْ يسْعَرِ


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد