عاد الخامس والعشرون من أيار، لا كعيد تحرير، بل كمناسبة جديدة تُذكّر اللبنانيين بأن حزب الله لم يكتفِ بمصادرة قرار الحرب والسلم، بل صادر أيضًا الفرح نفسه، ودمّر البهجة في نفوس اللبنانيين. هذا الحزب لا يعرف كيف ينشر السعادة في قلوب الناس، ولا يفسح المجال للبناني كي يبتسم، أو يتنفس الصعداء، أو يستذكر مناسبة وطنية من دون أن يحوّلها الحزب إلى نشرة عسكرية، ومرثية مذهبية، وخطاب تهديد داخلي مغلّف بفائض من الوهم.
في الأصل، كان يُفترض بعيد التحرير أن يكون مساحة جامعة؛ لحظة يتغنّى بها اللبنانيون بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من أرضهم، وبأن الدولة اللبنانية، بكل عثراتها ومكامن ضعفها، يجب أن تستعيد سيادتها على طول حدودها وعلى كافة أراضيها. لكن حزب الله، كعادته، لا يحتمل الأعياد الوطنية إلا إذا حوّلها إلى ملكية خاصة. التحرير، بالنسبة إليه، ليس مناسبة لبنانية، بل حق حصري له. والجنوب ليس جزءًا من لبنان، بل هو مسرحه الدائم لسفك الدماء وتكديس الركام وإطلاق الخطابات المسجلة.
خطاب نعيم قاسم الأخير لم يكن خطاب انتصار، بل تمرينًا طويلًا في الإنكار. الرجل يتحدث كأن لبنان يعيش عرسًا وطنيًا، وكأن الجنوب بخير، وكأن مئات القرى لم تُسحق، وكأن أكثر من مليون ونصف مليون شيعي من الجنوب والضاحية والبقاع لم يتحولوا إلى نازحين داخل وطنهم، ينتظرون وعدًا لا يتحقق، وتعويضًا لا يحصلون عليه، وبيتًا لن يُرمم كما كان. حزب الله يحدّثنا عن الدبابات المدمرة والآليات المحترقة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأبسط: من سيعيد لأهل الجنوب بيوتهم؟ من سيعيد لهم ذكريات أُسرهم التي ردمها الركام؟ من سيعيد لهم رائحة التين والزيتون والتبغ؟ من سيعيد لهم صور الأجداد المعلّقة على جدران لم تعد موجودة؟
أبواق الدعاية التابعة للحزب تحتفل بما تسميه "إنجازات الميدان". مدهش هذا النوع من الاحتفالات في ظل وجود قرى مدمّرة وعائلات مشرّدة. أي صمود هذا، وقد أصبحت المنازل وذكريات أهلها حطامًا؟ أي تضحيات هذه، وأطفال الجنوب خارج مدارسهم؟ أهذا جزء من المعركة؟ وكأن المطلوب من الناس أن يصفقوا لفقدان حياتهم، وأن يشكروا من أخذهم إلى الحرب لأنه وعدهم في أحد خطاباته بأن النصر قادم، أو أن هناك اتفاقًا أميركيًا إيرانيًا محتملًا، أو مذكرة تفاهم مرتقبة كان الحزب ينتظرها من إدارة ترامب كما ينتظر المؤمن معجزة آخر الزمان.
هنا تكمن المفارقة الفاضحة. حزب الله يصرخ ضد أميركا نهارًا، وينتظر توقيعها ليلًا. يشتم الوسيط الأميركي، لكنه يبني حساباته على تفاهم أميركي إيراني. يهاجم الدولة اللبنانية لأنها لا تعترض بما فيه الكفاية، لكنه يعترف، من حيث لا يدري، بأن قراره الحقيقي ليس في بيروت، ولا في بنت جبيل، ولا في صور، بل في طهران وواشنطن. أي مقاومة هذه التي تنتظر خلاصها من صفقة بين من تسميهم "الشيطان الأكبر" ومن تعتبره وليّ أمرها السياسي والعسكري؟
الأخطر في خطاب قاسم ليس فقط حجم الوهم فيه، بل وظيفة السلاح الكامنة بين السطور. السلاح لم يعد موجّهًا إلى إسرائيل بقدر ما صار رسالة إلى الداخل اللبناني. كل من لا يوافق حزب الله على روايته يصبح عمليًا شريكًا في المشروع الإسرائيلي. كل من يطالب بحصرية السلاح يصبح سكينًا يُطعَن بها في الظهر. كل من يسأل عن الدولة والسيادة والدستور يصبح أداة أميركية. هذه ليست مقاومة، هذا ابتزاز مسلّح. وهذه ليست استراتيجية دفاعية، بل إعلان صريح بأن السلاح باقٍ فوق الدولة، وفوق الدستور، وفوق حياة الناس ومصيرهم، إلى أن يقرر الحزب وحده متى تنتهي الحرب، ومتى يبدأ التفاوض، ومتى يحق للبنانيين أن يُعلوا الصوت.
لقد نجح حزب الله في شيء واحد لا يمكن إنكاره: حوّل عيد التحرير إلى ذكرى وطنية يُحتفى بها في زمن كئيب تشوبه الويلات والمصائب الناجمة عن ممارسات الحزب. لقد سرق حزب الله من اللبنانيين معنى الانتصار كما جرّد الدولة من مفهومها، وجعل من التحرير مناسبة للتهديد لا للفرح، وللتخوين لا للمصالحة، ولتمجيد الدمار لا لحماية الناس. حتى الفرح صار مشبوهًا في قاموسه. حتى النكتة أصبحت خيانة، والسؤال مؤامرة.
أما أهل الجنوب، وخصوصًا البيئة الشيعية التي يدّعي الحزب حمايتها، فهم يدفعون الثمن الأكبر. هؤلاء ليسوا جمهورًا استعراضيًا. هؤلاء بشر، يملكون بيوتًا وأرزاقًا، ولديهم أحلام وذاكرة تحتضن كل خساراتهم. لا يجوز اختصار أهل الجنوب بصورة مقاتل، ولا بلافتة شهيد، ولا بمشهد دعائي عن طائرة مسيّرة. كرامتهم لا تُصان بإبقائهم نازحين إلى الأبد من أجل أن يتمسّك الحزب بسلاحه إلى الأبد.
عيدٌ بأيّ حالٍ عُدتَ يا عيد؟ عُدتَ ولبنان مسلوب الفرحة، والجنوب منكوب، وبيوته مدمّرة، والدولة منتزعة القرار، وحزب الله يراوح مكانه. عُدتَ لتذكّرنا بالحقيقة الواضحة التي يتهرب منها الجميع: من يفسد معنى التحرير، يفسد الوطن كله. ومن يحوّل الانتصار إلى حرب دائمة، لا يحرر أرضًا، بل يحتل حياة الناس.

