كثيرة ومثيرة هي الأوهام والظنون التي يحملها البشر بمختلف ثقافاتهم ومستوياتهم، وتتحول هذه الأوهام في كثير من الأحيان إلى ما يُشبه المتبنيات والمعتقدات. والأوهام عادة تبدأ بسيطة وخجولة كطبيعة كل الأشياء والأمور ولكنها سرعان ما تكبر وتُسيطر على فكر ووعي الإنسان فيتعامل مع الأمر كما لو كان حقيقة لا تقبل النقاش والنقد.
ومن أهم وأخطر هذه الأوهام على الإطلاق هو "وهم الخلود" والبقاء للأبد. وطبعاً، يمكن التفصيل والتوجيه لوهم الخلود نحو الكثير من الأشكال والمستويات، فهناك وهم الخلود الثقافي والاجتماعي والإنساني والسياسي والرمزي والفئوي والطبقي وغيرها الكثير من الأشكال والمستويات لوهم الخلود.
أمامي الآن قائمة طويلة ومثيرة من أشكال وأنواع وهم الخلود، ولكنني فضلت أن أنتخب شكلاً/ نوعاً واحداً أجده أكثر إثارة ودهشة، إلا وهو "وهم الخلود الثقافي". فقد تجد مثقفاً مهووساً بفكرة الخلود الثقافي لاسمه الذي بناه كل تلك السنوات الطويلة، وهنا لا يهم طبعاً قيمة أو فرادة المنتج الثقافي الذي صنعه، هذا في نظره طبعاً، فهو لا يبحث أو يهتم بقيمة ما أنتج بقدر ما تشغله هذه "الفكرة" وهي أن يبقى خالداً في سجلات الثقافة التي يُمارسه.
مشكلة هذا المثقف وغيره حينما تتلبسهم حالة/ ظاهرة وهم الخلود الثقافي هذه، تكمن في اتخاذهم لعدة ممارسات وسلوكيات تضمن لهم هذا الخلود الوهمي، كالركض المستمر باتجاه المؤتمرات والملتقيات وهوس الظهور الإعلامي في كل القنوات والمنصات والكتابة بشكل مكثف دون الاهتمام بقيمة ما يُكتب والتطلع الدائم للحصول على العضويات والامتيازات والترشيحات الثقافية والطلب اللحوح على تمثيل المشهد الثقافي في المنتديات والفعاليات الخارجية والكثير الكثير من الممارسات والسلوكيات التي نُشاهده بكثافة وبؤس في مشهدنا الثقافي.
وهم الخلود الثقافي، ظاهرة مدهشة ولكنها خطيرة، تستدعي التأمل والدراسة، وإيجاد الحلول والتشافي من هذا الوهم الثقافي الذي يبحث عن خلود مزيف.

