انطلق داروين من ملاحظة دقيقة للطبيعة، مفادها أن الأفراد داخل النوع الواحد ليسوا متطابقين، بل يشتركون في قدر من التباين الوراثي، وهذا التباين هو المادة الأولى التي تعمل عليها البيئة عبر الزمن. وينطلق من ملاحظة بسيطة لكن مهمة: داخل كل نوع توجد فروق، مثل الفروق بين التمساح والسحلية، وبين الطير نفسه بمنقارين مختلفين في الحجم، في جزيرتين متباعدتين، وصفات القط والنمر، فليست كل الكائنات من النوع الواحد متشابهة تمامًا، بل تختلف في القوة، واللون، والحجم، والقدرة على التحمل، وبعض الصفات الأخرى. هذه الفروق قد تبدو صغيرة، لكنها عند تراكمها عبر الأجيال تصبح ذات أثر كبير في حياة النوع. ويرى داروين أن الوراثة تنقل هذه الصفات إلى الأجيال التالية، ويصاحب ذلك بقاء الصفات المفيدة، واختفاء الضارة، مع الوقت.
تعيش جميع الكائنات الحية في صراع من أجل البقاء، لأن الموارد في الطبيعة محدودة، فالغذاء، والمكان، والدفء، والقدرة على الهرب من المخاطر ليست متاحة للجميع بلا حدود. لذلك لا يستطيع كل الأفراد أن ينجوا أو يتكاثروا، بل ينجح أكثرهم قدرة على التكيف. ومن هنا جاءت فكرة الانتخاب الطبيعي، أي أن «الطبيعة لا تختار بعقل أو قصد، لكنها «تُبقي»، أو تتيح لمن يملك صفات أفضل للبقاء في ظروف معينة.
ومن الأفكار المهمة التي توصل لها دارون، أن التغيرات الصغيرة، إذا استمرت زمنًا طويلًا، يمكن أن تؤدي إلى ظهور أنواع جديدة. فالتطور عند داروين ليس قفزة مفاجئة، بل عملية بطيئة وتراكمية. ومع مرور الزمن قد تنفصل جماعات من الكائنات عن غيرها بسبب اختلاف البيئة أو العزلة الجغرافية، ثم تتطور كل جماعة في اتجاه مختلف. ومع استمرار هذا الاختلاف، يمكن أن يصبح كل فرع نوعًا مستقلًا. ويعطي داروين أهمية كبيرة للعزلة الجغرافية، مثل الجزر والجبال والبحار. فحين تُفصل جماعة من الكائنات عن غيرها، تبدأ في التكيف مع ظروفها الخاصة. ومع الوقت، قد تتغير صفاتها بشكل ملحوظ عن بقية الجماعات الأصلية. لذلك كانت الجزر، بنظره، مختبرات طبيعيًة مهمًة لفهم التطور.
لا يكتفي الكتاب بشرح التغير في الأنواع، بل يحاول أيضًا أن يفسر تنوع الحياة على الأرض. فبدلًا من افتراض أن كل نوع خُلق منفصلًا وثابتًا، يقترح داروين أن الأنواع كلها ترتبط بعلاقات قرابة بعيدة، وأنها تشترك في أصول قديمة ثم تفرعت مع الزمن إلى أشكال متعددة. لذلك يشبه التطور عنده شجرة كبيرة تتفرع منها الأغصان باستمرار.
بالرغم مما واجهه الكتاب من جدل واسع، لأنه تحدى الأفكار السائدة، إلا أن تأثيره العلمي كان هائلًا، لأنه وضع أساسًا قويًا لعلم الأحياء التطوري، وفتح الباب أمام دراسات جديدة في الوراثة، والتصنيف، والبيئة، والسلوك. وعلى الرغم من تطور علم الوراثة والبيولوجيا، إلا أن الأساس العام الذي وضع قبل 167 عاما، لا يزال حاضرًا في صميم التفكير العلمي المعاصر.
خلافا للسائد، لم يقل داروين يوما ان الإنسان أصله يعود للقردة الحالية، بل يورد أن الاثنين يشتركان في سلفٍ مشترك قديم، ثم تفرعت السلالات بعد ذلك في مسارات تطورية مختلفة.
أحمد الصراف

