على مدى عقود، سعت كرة القدم العالمية إلى ترسيخ وهمَ أنها تعلو فوق السياسة. يُقال لنا إن الملعب أرض محايدة. غير أن كرة القدم لا تُلعب في الفراغ، بل تُلعب على أرض، وتُدار من خلال مؤسسات، وتُمَوَّل عبر هياكل من الاعتراف والشرعية. وعندما تكون تلك الأرض محتلة، فإن الحياد يفقد براءته.
تفيد تقارير بأن بلاغاً قانونياً قُدِّم إلى المحكمة الجنائية الدولية يذكر بالاسم كلاً من جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، وألكسندر تشيفيرين، رئيس اليويفا، من منطلق ذي صلة بأندية إسرائيلية قائمة في المستوطنات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وسواء قررت المحكمة المضي قدماً أم لا، فإن السؤال الجوهري، الذي لا يمكن فصله، هو: متى يتحول التطبيع المؤسسي إلى تواطؤ مادي؟
بموجب المادة 49 (6) من اتفاقية جنيف الرابعة، يُحظر نقل دولة الاحتلال لأجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وبموجب المادة 8 (2) (b) (viii) من نظام روما الأساسي، يُعد هذا النقل جريمة حرب. وقد أكدت الشرعية الدولية مراراً عدم قانونية المستوطنات الإسرائيلية، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن. وهذه ليست تفسيرات قانونية هامشية، بل جزء من البنية الراسخة للقانون الدولي المعاصر.
ومع ذلك، تواصل أندية قائمة في المستوطنات المنافسة ضمن أطر وبطولات معترف بها دولياً. وتحصل على دعم هيكلي واعتراف تنظيمي وإمكانية الوصول إلى المنافسات العالمية. ويتم التعامل معها ليس باعتبارها تجسيداً لمشروع إقليمي غير قانوني، بل بوصفها كيانات رياضية اعتيادية.
الرياضة لا تعكس الواقع فحسب، بل تضفي عليه شرعية. لذا عندما تشارك فرق المستوطنات تحت مظلة دولية، فإنها تُسقِط صورة من الاعتياد والقبول، وتبعث برسالة مفادها أن الجغرافيا التي تقوم عليها ليست موضع نزاع، بل هي واقع إداري مستقر وجزء من مشهد مدني معترف به. وهكذا تتكرس حالات الاحتلال طويلة الأمد، ليس بالقوة وحدها، بل عبر الامتصاص المؤسسي.
لقد غيّر الدمار الواسع في غزة المشهد الأخلاقي بصورة عميقة. أحياء كاملة سُويت بالأرض، وبنية تحتية مُحيت، وحياة مدنية باتت في حالة هشاشة قصوى. وفي الوقت ذاته، يتسارع الضم في الضفة الغربية عبر إجراءات بيروقراطية وتعديلات تشريعية تُرسخ الاستحواذ الاستيطاني. في هذا السياق، يبدو الادعاء بحياد الرياضة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
إن العتبة القانونية لمسؤولية المساعدة والتحريض أمام المحكمة الجنائية الدولية مرتفعة، إذ تتطلب العلم والمساهمة الجوهرية. والرمزية وحدها لا تكفي. غير أنه عندما تُوفِّر مؤسسة دولية غطاءً تنظيمياً، وقنوات تمويل، ومنصات تنافس لأندية قائمة في مستوطنات يعتبرها القانون الدولي غير مشروعة، فإن المسألة لم تعد رمزية، بل بنيوية.
وعند المقارنة بسرعة استبعاد الفرق الروسية عقب غزو أوكرانيا، يتضح أن مبدأ سلامة الأراضي اعتُبر آنذاك جديراً بالدفاع عبر العقوبات الرياضية، فكانت الرسالة واضحة: لا يمكن تطبيع الضم عبر كرة القدم. وإذا كان هذا المبدأ صالحاً، فلا يجوز تطبيقه بانتقائية.
المسألة الأعمق لا تتعلق بمعاقبة إداريين بعينهم، بل بتوسع نطاق المساءلة. لقد شارفت على الانتهاء تلك الحقبة التي كانت فيها الشركات، والجامعات، والهيئات الثقافية، والاتحادات الرياضية، تدّعي العزلة عن تبعات الاحتلال القانونية والأخلاقية. فالمؤسسات التي تعمل في أراضٍ متنازع عليها لم تعد هامشية بالنسبة إلى النزاع، بل أصبحت جزءاً من منظومته.
على مدى سنوات، أثار الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم اعتراضات على مشاركة أندية المستوطنات تحت مظلة الاتحاد الإسرائيلي. وقد جرى استيعاب تلك الاعتراضات وتأجيلها وإغراقها في الإجراءات، فيما كانت الوقائع على الأرض تترسخ. وإذا استمرت الرياضة الدولية في التعامل مع المستوطنات بوصفها واقعاً إدارياً عادياً، فإنها تخاطر بالانخراط في منظومة يعتبرها القانون الدولي غير قانونية. منطقياً، لا يمكن لكرة القدم أن تدّعي سلطة عالمية بينما تتنصل من مسؤولية عالمية.
قد تقرر المحكمة الجنائية الدولية أن الأدلة لا ترقى إلى العتبة المطلوبة، وقد تختار عدم المضي قدماً. لكن مجرد تقديم البلاغ يشير إلى تحول عميق مضمونه أن لغة المساءلة تتغير، وليس من مؤسسة تُمنح الشرعية بمنأى عن التدقيق. وأختم بالقول إن الملعب ليس محايداً حين يُقام على أرض محتلة.


