يمكن للمتابع لتطورات المشهد الإقليمي في الأسابيع الأخيرة أن يلحظ بوضوح أن الملف الإيراني دخل مرحلة مختلفة من الحسابات، حيث لم تعد المسألة الإيرانية شأناً قابلاً للإدارة عبر بيانات التهدئة أو رسائل الردع الرمزية. فبعد ما وصفته وسائل إعلام غربية بـ"حرب الاثني عشر يوماً" – والتي أظهرت، وفق تقارير عسكرية وتحليلات دفاعية، أن مفاصل حيوية داخل المنظومة الدفاعية الإيرانية قابلة للتعطيل السريع إذا ضُربت بدقة وتزامن – يتشكل اليوم مشهد لا يحتمل سوء القراءة؛ قوة بحرية – جوية أميركية متموضعة في نطاق عمليات متقدم، على مسافة قرار سياسي واحد من تغيير قواعد اللعبة.
تلك الحرب القصيرة لم تُسقط النظام، لكنها كسرت أسطورة الحصانة؛ فمئات الطلعات الجوية استهدفت منشآت نووية وصاروخية ومراكز قيادة، مستندة إلى بنك أهداف بُني على سنوات من الاختراق الاستخباري. الرد الإيراني، رغم زخمه الصاروخي، لم ينجح – بحسب بيانات منشورة – في فرض ردع متكافئ أو وقف الضربات النوعية؛ حيث كانت الرسالة واضحة: القدرة موجودة، والاختراق ممكن، والمنظومة ليست جداراً صلباً بل شبكة يمكن شلّها إذا ضُربت عقدها الأساسية.
اليوم، ومع تموضع مجموعة ضاربة تقودها حاملة طائرات أميركية مدعومة بمدمرات بصواريخ بعيدة المدى ومقاتلات شبحية وقدرات تشويش متقدمة، لم يعد الحديث عن استعراض قوة. ووفق تقارير غربية، دخلت هذه التشكيلات نطاقاً عملياتياً يسمح باستهداف عشرات المواقع الحساسة في العمق الإيراني خلال فترة زمنية قصيرة. وحين يتحدث الرئيس الأميركي عن جاهزية للتحرك “بالسرعة والعنف إذا لزم الأمر”، فإن الرسالة لم تعد للاستهلاك الإعلامي، بل للقيادة في طهران.
وفي موازاة ذلك، تصاعدت أيضاً لغة الردع من تل أبيب؛ ففي 23 فبراير 2026، قال بنيامين نتنياهو في كلمة أمام الكنيست: "لا أحد يعلم ما الذي سيحمله الغد. نحن شعب يقظ، ونحن مستعدون لكل سيناريو"، محذراً من أنه إذا ارتكب "نظام الملالي" ما وصفه بـ"الخطأ ربما الأخطر في تاريخهم" وهاجم دولة إسرائيل، فإن الرد سيكون "بقوة لا يستطيعون حتى تخيّلها". هذه العبارات، بصرف النظر عن بعدها التعبوي الداخلي، تعكس أن معادلة الردع لم تعد ثنائية أميركية – إيرانية فحسب، بل باتت متعددة الأطراف، وأن أي خطأ في الحساب قد يُقرأ بوصفه تحولاً استراتيجياً لا مجرد احتكاك تكتيكي.
بلا شك أن جوهر المسألة ليس إسقاط دولة ولا إعادة رسم خرائط؛ جوهرها أن المنظومة العسكرية – الأمنية الإيرانية، بصيغتها الحالية، تعمل كشبكة تشغيل إقليمي تدير صواريخ دقيقة، وتغذي أذرعاً مسلحة، وتبقي ممرات الطاقة الحيوية – بما فيها مضيق هرمز – تحت تهديد دائم، حيث إن استمرار هذه المنظومة دون تحجيم لم يعد سياسة احتواء، بل إدارة مستدامة لعدم الاستقرار.
غير أن هذا المشهد لا يُقرأ بمعزل عن حسابات القوى الكبرى؛ فصحيح أن أي تحرك عسكري ضد إيران سيأخذ في الحسبان حسابات موسكو وبكين وتعقيدات التوازنات الدولية، إلا أن هذه الحسابات لا تُلغي حقيقة أن ترك مصدر التهديد يعمل دون سقف كلفة واضح يضاعف مخاطر الانفجار مستقبلاً. وقد أثبتت التجربة أن تأجيل المواجهة لا يلغيها، بل يجعلها أكثر تعقيداً.
الحقيقة أن حرب الاثني عشر يوماً كشفت أيضاً هشاشة التماسك الظاهري في إيران، حيث أكدت تقارير إعلامية وأمنية متقاطعة تحدثت عن عمليات تخريب وتسريب مواقع حساسة بالتزامن مع الضربات، ما دفع النظام الإيراني إلى تشديد قبضته الأمنية داخلياً. هذه ليست مجرد إجراءات احترازية، بل مؤشر على إدراك عميق بأن المنظومة الإيرانية تعتمد على توازن دقيق بين الردع الخارجي والسيطرة الداخلية، وعندما يُكسر أحد الضلعين، يتصدع الآخر.
بلا شك فإن هذا التحول في التقييم الاستراتيجي لم يعد محصوراً في غرف التحليل أو مراكز الأبحاث؛ فقد صرّح مايك بومبيو بأن "النظام الإيراني يواجه تهديداً وجودياً"، مضيفاً أن العالم يستحق رؤية هذا "الطغيان يُطوى". ورغم أن التصريح صدر عن مسؤول سابق، فإنه يعكس تياراً سياسياً متنامياً داخل دوائر القرار الغربية يرى أن مرحلة إدارة الأزمة قد استنفدت أغراضها. عند هذه النقطة تحديداً تتبلور معادلة القرار؛ فمن منظور استراتيجي صريح، تحجيم هذه المنظومة بات ضرورة ردعية لا يمكن تأجيلها بلا كلفة متصاعدة.
ومع ذلك، يبقى الاعتراض الأكثر تداولاً هو خطر التصعيد غير المتوقع: ماذا لو ردّت طهران عبر وكلائها؟ ماذا لو استُهدفت القواعد الأميركية أو أُغلق مضيق هرمز؟ هذا الاحتمال قائم بلا شك، لكن البديل ليس صفراً من المخاطر؛ فترك المنظومة تتوسع دون تحجيم يزيد من احتمالات المواجهة في ظروف أقل قابلية للسيطرة، حيث إن إدارة المخاطر لا تعني تجنب القرار، بل اختيار اللحظة التي تكون فيها القدرة على الاحتواء أعلى من قدرة الخصم على فرض الوقائع.
في المحصلة، لا ينبغي النظر إلى الحالة الإيرانية بوصفها أزمة منفصلة، بل بوصفها اختباراً كاشفاً لطبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط برمّته. تجارب السنوات الماضية تؤكد أن أي مشروع يقوم على إدارة الفوضى وابتزاز الاستقرار، إذا لم يُواجه بسقف ردعي واضح، يتحول تدريجياً إلى قاعدة سياسية تُعاد صياغة مفاهيم السلم وعدم الاستقرار على أساسها.
والأخطر أن بعض الدول الإقليمية قد ترى في استمرار هذا الوضع مساحة مناورة تكتيكية أو ورقة تفاوضية، لكنها تغفل أن الاستثمار في بيئة عدم الاستقرار لا يبقى محصوراً في جغرافيا محددة، بل يرتد على مجمل الإقليم. ومن هنا، فإن تحجيم المنظومة الإيرانية لا يحمل دلالة عسكرية فحسب، بل يبعث برسالة أوسع مفادها أن إعادة تعريف السلام عبر أدوات الفوضى لم تعد معادلة مقبولة أو قابلة للاستدامة.

