: آخر تحديث

الملانكوليا كتجربة وجودية

3
3
3

الملانكوليا هي تجربة وجدانية ووجودية ترافق الإنسانية منذ أزمنة سحيقة. وهي ظاهرة معقدة تتداخل فيها أبعاد نفسية وثقافية وجسدية ورمزية. وقد وصفتها التعريفات الكلاسيكية بأنها حزن عميق وممتد؛ وربطتها نظرية الأخلاط بالصفراء السوداء، في حين فهمها فرويد بوصفها حداداً غير مُنجز، يبقى فيه الفرد متماهياً على نحو لا واعٍ مع الموضوع المفقود. هذا التماهي يُجمّد الحياة النفسية ويشلّ الرغبة، ويترك الإنسان معلّقاً في زمن ساكن. فالملانكوليا ليست مجرد انزعاج عاطفي، بل هي تراجع في القوة الحيوية التي توجه النفس نحو المستقبل، كما يشير الطبيب النفسي خيسوس مورشون.

في المجتمع المعاصر، تتعرض القدرة على الرغبة العميقة للتآكل. فالتسارع، وفرط الاتصال، والضغط الدائم من أجل الإنتاجية، تفرض إيقاعاً لا يتيح التوقف أو التأمل. ويجمع هذا التسارع بين ضغوط تكنولوجية واقتصادية وعاطفية تضغط التجربة الذاتية للزمن وتعيق الإصغاء للعمليات الداخلية. غير أن الرغبة تحتاج إلى الوقت، والانتظار، والمعالجة النفسية. فهي تولد مما ينقصنا، وتتجه دائماً نحو ما لم يوجد بعد، ولذلك فهي تحتاج إلى الزمن، والخيال، والقدرة على تحمّل الانتظار. ولا يمكن لها أن تزدهر في منطق الفورية. إن منطق الإشباع السريع، المدعوم بمحفزات متواصلة، يقوّض إمكانية الحفاظ على مشاريع ذات معنى، ويعزز التشتت على حساب الاستمرارية.

تُظهر دراسات حديثة أن التعرض المتواصل للمكافآت الفورية مثل الإشعارات الرقمية أو رسائل شبكات التواصل الاجتماعي يقلل من المثابرة التحفيزية ويضعف الوظائف التنفيذية الضرورية للحفاظ على الرغبة على المدى الطويل. وفي هذا السياق، وصف هارتموت روزا كيف أن التسارع الاجتماعي يُنتج ذواتاً عاجزة عن استكشاف رغباتها الخاصة، مولداً حالة من التيه قد تتحول بسهولة إلى ملانكوليا. كما تُبيّن أبحاث حديثة حول الحداد في سياقات متسارعة أن المجتمع يضغط الزمن العاطفي اللازم لمعالجة الخسارات. وتدعم هذه الدراسات مجتمعة فكرة أن البنية الزمنية للمجتمع تؤثر مباشرة في القدرة على الرغبة والمعالجة الانفعالية.

ويُضاف إلى ذلك ثقافة لا تكاد تحتمل الهشاشة العاطفية. فالتوقف يُفسَّر على أنه فشل أو علامة ضعف، والحزن غالباً ما يُمرَضَن. هذا الموقف يمنع الأفراد من عبور تجارب الحداد وإعادة بناء رغباتهم بصورة أصيلة. وكما يلاحظ مورشون، فإن الضغط للظهور الدائم بمظهر النشط والسعيد والمكتفي ذاتياً يُنتج أثراً مفارقاً: فبدلاً من تعزيز الحيوية، يُغذّي الإحباط والإرهاق وتعطّل الرغبة. وفي العيادات النفسية يُلاحظ تزايد ما يُعرف بـ"الحداد المُثبَّط"، بوصفه نتيجة لأعراف اجتماعية لا تسمح بالأزمنة اللازمة لإعادة تنظيم عاطفي عميق.

ومع ذلك، ثمة ارتباط تاريخي بين الملانكوليا والإبداع يبرهن أن المعاناة ليست دائماً علامة خلل، بل قد تكون أيضاً فضاءً خصباً للترميز والمعالجة النفسية. فمنذ أرسطو وصولاً إلى التمثلات الفنية لعصر النهضة، شددت التقاليد الفكرية على أن الملانكوليا يمكن أن تفتح مجالاً للصفاء الذهني، والتأمل الداخلي، وعمق الوجدان. إن تعليق إيقاع الحياة اليومية عبر إبطاء إدراك الزمن يهيئ أرضية خصبة للخيال والعمل الرمزي. وفي الصمت الذي تخلّفه الخسارة، تنبثق طرق جديدة للتفكير والملاحظة والإبداع. ويعمل الفن، والكتابة، والشعر كلغات قادرة على ترميز ما فُقد وتحويل الألم. ويذكّر أنطونيو غامونيدا بأن الشعر ليس حيلة فنية، بل شكل من أشكال المعرفة المنبثقة من التجربة الحياتية. وفي هذه الاستعادة تجد الملانكوليا مجرى رمزياً يسمح لها بأن تتحول إلى محرّك للتحول الداخلي. غير أن تحقق ذلك يتطلب من الفرد وقتاً، وسنداً، وبيئة لا تفرض حلّ ما يؤلم على عجل.

إن فهم الملانكوليا يعني الاعتراف بازدواجية أبعادها: الفردية والاجتماعية. فمن جهة، قد تعطل الرغبة؛ ومن جهة أخرى، يمكن أن تفتح مسارات للإبداع والتغيير. وإذا كانت جزءاً من الشرط الإنساني، فإن الأساس هو فهمها ومنحها مكانة مشروعة. فقد تعمل الملانكوليا بوصفها دليلاً يشير إلى مناطق هشاشة في الأنا، داعية إلى التوقف، وتنظيم الذات، وبناء علاقة أعمق مع النفس. إن إفساح المجال لها لا يعني تمجيد المعاناة، بل قبول أن تجارب الفراغ، والخسارة، والتوقف حتمية وضرورية للحياة النفسية. فقط عندما يتمكن الإنسان من التوقف، والشعور، ومعالجة الألم، يمكن للرغبة أن تولد من جديد وتتجه نحو آفاق جديدة.

غير أن الضغط الثقافي لإدارة المعاناة كما لو كانت مشكلة فردية بحتة يُخفي جذورها الاجتماعية ويحدّ من فهمها. فالسياقات التي تحمي الرعاية والإيقاعات الحيوية تيسّر معالجة الألم وتعمل كعوامل دعم في مواجهة الملانكوليا. وفي مجتمع يكافئ الإيجابية الدائمة والنشاط المتواصل، تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة قيمة الحزن بوصفه عاطفة طبيعية، ضرورية لعبور الخسارات، والاعتراف بالحدود، وإعادة بناء الرغبة. إن استعادة الزمن للشعور ومعالجة الألم تمثّل اليوم فعل مقاومة. وفي المحصلة، لن تسمح إلا ثقافة تستعيد الحق في البطء، والحداد، والهشاشة، بأن تعود الرغبة بدلاً من أن تنطفئ في دوامة التسارع إلى بسط قدرتها الخلّاقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.