باريس (فرنسا) : بعد التتويج الأول في تاريخ باريس سان جرمان الفرنسي بدوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، فإن فوزا جديدا هذا الموسم قد يرسّخ مكانة النادي الفرنسي كأحد أعظم الفرق في تاريخ كرة القدم الأوروبية.
بعد 12 شهرا فقط على اكتساح إنتر ميلان الإيطالي 5 0 في ميونيخ والتتويج باللقب، وهو أكبر فوز في تاريخ نهائيات المسابقة، يتجه سان جرمان إلى بودابست لمواجهة أرسنال بطل الدوري الإنكليزي.
وقد أثبت فريق المدرب الإسباني لويس إنريكي أنه لا يقهر خلال آخر 18 شهرا، بعدما تفوق على فرق كبرى مثل مانشستر سيتي الإنكليزي بقيادة مواطنه بيب غوارديولا وبايرن ميونيخ الألماني في نصف النهائي.
وحاول أرسنال بدوره مجاراة الفريق الباريسي في نصف نهائي المسابقة الموسم الماضي لكنه فشل، ليصل سان جرمان هذا الموسم مرشحا قويا للاحتفاظ باللقب.
وقال الجناح الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا في تصريح لموقع الاتحاد الاوروبي لكرة القدم (ويفا): "نحن ندرك أننا أبطال النسخة الماضية، ويمكننا الفوز مجددا".
وأضاف "بالطبع سيكون الأمر صعبا، لكننا أثبتنا مرة أخرى أننا قادرون على هزيمة أي فريق طالما لعبنا بأسلوبنا وقدّمنا كل ما لدينا على أرض الملعب".
وكان وصول إنريكي في عام 2023 نقطة تحول في مشروع سان جرمان، الذي كان يبتعد تدريجيا عن سياسة التعاقدات الضخمة مع النجوم.
فقد غادر الأرجنتيني ليونيل ميسي والبرازيلي نيمار في ذلك الصيف، منهين لفترات غير ناجحة نسبيا في العاصمة الفرنسية، قبل أن يرحل الفرنسي كيليان مبابي بعد عام واحد.
ورغم أن النادي شهد تحولا كبيرا منذ استحواذ قطر عليه عام 2011، فإنه ظل مرتبطا بخيبات متكررة في دوري الأبطال، باستثناء بلوغ النهائي عام 2020 ونصف النهائي عام 2021، إضافة إلى بعض الإخفاقات القاسية.
لكن إنريكي أحدث تغييرا جذريا في هوية الفريق، وأعاد تشكيل صورته بالكامل خارج فرنسا.
"مواصلة كتابة التاريخ"
كان سان جرمان يُنظر إليه في السابق داخل أوروبا باعتباره فريقا ينفق أموالا طائلة دون أن يحقق نجاحا قاريا يوازي تلك الاستثمارات، حتى تحول أحيانا إلى مادة للسخرية بسبب إخفاقاته المتكررة في دوري أبطال أوروبا.
أما اليوم، فقد أصبح النادي الباريسي يحظى باحترام كبير، ونال إعجاب المتابعين بفضل كرة القدم المبهرة التي يقدمها فريق شاب ومثير، جرى بناؤه بذكاء في سوق الانتقالات بقيادة مستشاره الرياضي لويس كامبوس، وتحت إشراف إنريكي.
وقال عثمان ديمبيليه عن مدربه: "إنه مدرب من الطراز الرفيع، يمتلك أفكارا واضحة وطاقة كبيرة. إنه استثنائي ونأمل أن يبقى معنا لفترة طويلة جدا".
وشهد ديمبيليه تحولا كبيرا، بعدما انتقل من جناح موهوب يهدر الكثير من الفرص إلى مهاجم حاسم وفعّال أمام المرمى.
وسجل الدولي الفرنسي 35 هدفا الموسم الماضي، محرِزا الكرة الذهبية، بينما جرى هذا الموسم التعامل بحذر مع مشاركاته بسبب مخاوف بدنية متكررة، لكنه رغم ذلك سجل 19 هدفا وقدم 11 تمريرة حاسمة خلال 24 مباراة فقط كأساسي.
ويُعد ديمبيليه، البالغ 29 عاما، رابع أكبر لاعب سنا في التشكيلة، خلف كل من الإسباني فابيان رويس ولوكا هرنانديز (30 عاما)، إضافة إلى القائد البرازيلي ماركينيوس (32 عاما).
وتمنح الطاقة الشابة المنتشرة في صفوف سان جرمان قدرة هائلة على اللعب بإيقاع وضغط عاليين، وهو ما أربك معظم منافسيه.
ورغم أن المهمة قد لا تكون سهلة أمام أرسنال، فإن سان جرمان بلغ بالفعل نصف النهائي ثلاث مرات متتالية تحت قيادة إنريكي، بعدما كان قد وصل إلى هذا الدور ثلاث مرات فقط طوال تاريخه قبل وصول المدرب الإسباني.
ويُعد بلوغ نهائي دوري الأبطال مرتين متتاليتين أمرا بالغ الصعوبة، أما الاحتفاظ باللقب فيكاد يكون مستحيلا او شبه نادر.
ويبقى ريال مدريد الإسباني بقيادة زين الدين زيدان، الذي توّج باللقب ثلاث مرات متتالية بين 2016 و2018، الفريق الوحيد الذي نجح في الدفاع عن لقبه في الحقبة الحديثة لدوري الأبطال، بينما يجب العودة إلى ميلان الإيطالي بقيادة أريغو ساكي عامي 1989 و1990 للعثور على إنجاز مماثل.
وعلى الصعيد الفرنسي، لم يسبق أن توّج أي نادٍ بدوري الأبطال قبل الموسم الماضي سوى مرسيليا عام 1993.
ورغم أن القصة لا تُصنف ضمن الحكايات الخيالية بالنسبة إلى نادٍ مدعوم بثروة قطرية ويحتل المركز الرابع عالميا من حيث الإيرادات وفق تصنيف "ديلويت" العام الماضي، خلف ريال مدريد وبرشلونة وبايرن ميونيخ، فإنها تؤكد أن التخلي عن مشروع "النجوم الخارقة" كان القرار الصحيح.
ومع ذلك، فإن العديد من لاعبي الفريق الحاليين، مثل ديمبيليه وكفاراتسخيليا والبرتغالي فيتينيا والمغربي أشرف حكيمي، يمكن اعتبارهم نجوما عالميين بالفعل.
لكن النجم الحقيقي في سان جرمان اليوم هو إنريكي، الذي قد يصبح خامس مدرب فقط يحرز ثلاثة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، بعد الإيطالي كارلو أنشيلوتي والإنكليزي بوب بايزلي وزيدان وغوارديولا.
وقال إنريكي لموقع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم: "عندما جئت إلى النادي قلت إن هدفي هو صناعة التاريخ".


