: آخر تحديث
​​​​​​​بين الحلف الراسخ والقفص الذهبي:

هل تستطيع إسرائيل الفطام عن "العم سام"؟

3
3
3

العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة ليست مجرد علاقات خارجية عادية، بل هي ركيزةٌ استراتيجيةٌ متكاملة. فالمساعدات العسكرية الأميركية، التي تبلغ نحو 3.8 مليارات دولار سنويًا في إطار مذكرة التفاهم لعشر سنوات، تُرسّخ التفوق النوعي لإسرائيل، وتموّل صفقات تسليح متقدمة مثل مقاتلات F-35، وتدعم مشاريع الدفاع الجوي متعددة الطبقات مثل القبة الحديدية ومشروع مقلاع داود.

وإلى جانب البعد المالي، توفر واشنطن مظلةً سياسيةً ثابتةً في مجلس الأمن الدولي ومؤسساتٍ دوليةٍ أخرى، فضلاً عن التعاون الاستخباري العميق وإتاحة الوصول إلى تكنولوجياتٍ متقدمةٍ يصعب الحصول عليها سريعًا بطرقٍ أخرى.

غير أنَّ هذا الاعتماد، حتى لو كان اختياريًا، يولّد أحيانًا تناقضاتٍ وتصادم مصالح بين الطرفين. فعندما تسعى أي إدارةٍ في واشنطن إلى التأثير في مساراتٍ سياسيةٍ أو أمنيةٍ في المنطقة بخلاف الموقف الإسرائيلي، تكون أدوات الضغط التي بحوزتها واضحة. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد مرارًا أن إسرائيل "ستدافع عن نفسها بنفسها"، ودعا في مناسباتٍ سابقةٍ إلى تقليص جوانب من هذا الاعتماد، لا سيما في مجال التصنيع العسكري المحلي. وفي المقابل، يشدد مسؤولون أمنيون على أن المساعدة الأميركية ليست فقط سندًا، بل مضاعفًا للقوة، وأن التخلي عنها سيؤثر مباشرةً في الجاهزية وسرعة التزود بالأنظمة المتطورة وقدرة إسرائيل على خوض المعارك المطولة.

الجدل الداخلي في إسرائيل يدور بين وجهتي نظر: الأولى ترى أن تعميق الاستقلالية يقتضي توسيع قاعدة الإنتاج الدفاعي المحلي، وزيادة مخصصات الأمن من الموارد الذاتية، وتقليص التعرض لضغوطٍ سياسيةٍ خارجية. أما الثانية فتعتبر أن التحالف الوثيق مع القوة العظمى المركزية في نظامٍ دوليٍ متعدد الأقطاب هو أصلٌ استراتيجيٌ لا بديل عنه، وأن تنويع الشراكات لا يمكن أن يحل محل التحالف الأميركي.

فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن تقليص الاعتماد دون المساس بالأمن؟ نظريًا نعم، لكن تدريجيًا وبحساباتٍ دقيقة. أولاً، تعميق الإنتاج المحلي في المجالات التي تمتلك فيها إسرائيل ميزةً نسبية، مثل الطائرات المسيّرة، والسايبر، والذخائر الدقيقة، وزيادة المكوّن المحلي في المشاريع المشتركة. ثانيًا، إنشاء صندوقٍ استثماريٍ وطنيٍ للأمن يضمن تخطيطًا بعيد المدى للبحث والتطوير والتسليح، مما قد يقلل من التقلبات. ثالثًا، توسيع اتفاقيات التجارة والتعاون مع أوروبا وآسيا كآليةٍ لتنويع المصادر وليس لاستبدال واشنطن.

ومع ذلك، هناك حدودٌ واقعيةٌ لا تزال قائمة، فبعض المنظومات الدفاعية والهجومية المتقدمة تعتمد على قدراتٍ صناعيةٍ وتكنولوجيةٍ أميركية يصعب استنساخها سريعًا أو بكلفةٍ معقولة.

والخلاصة أنَّ الحل لا يكمن في فك الارتباط بواشنطن، بل في إعادة ضبط المعادلة: الحفاظ على هذا التحالف كركيزةٍ استراتيجيةٍ إسرائيلية، مع توسيع هامش الاستقلال الذاتي. فالاستقلال لا يعني العزلة، بل القدرة على الاختيار دون التفريط بعناصر القوة الأساسية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.