: آخر تحديث

ماذا لو أصبحت إيران أميركية؟

1
1
0

في نوع من أنواع الفانتازيا نشر الرئيس الهزلي الأميركي ترامب صورة إيران وقد غطاها العلم الأميركي، وجعلها ولاية أميركية.

فماذا لو، فعلًا، أصبحت إيران، افتراضًا خياليًا، "ولاية أميركية"؟

إذن لتغيّر توازن العالم بالكامل، وليس فقط الشرق الأوسط.

وبالرغم من أن هذا السيناريو شبه مستحيل سياسيًا وتاريخيًا، لكنه مثير للتفكير من زاوية الجغرافيا والسياسة والاقتصاد.

فمن بعض النتائج المحتملة العاجلة المؤكدة أن تصبح الولايات المتحدة صاحبة أكبر احتياطي طاقة عالمي تقريبًا، مع سيطرة مباشرة على جزء هائل من الخليج ومضيق هرمز. وسوف تتغيّر طبيعة الصراع في المنطقة جذريًا، لأن واشنطن ستكون موجودة في إيران نفسها، وليس مجرد حليف بعيد، وبالتالي فلا حروب ولا احتلالات ولا عدوات إيرانية مع دول التطبيع العربية، بعد ذلك.

إضافة إلى أن روسيا والصين ستريان في ذلك تهديدًا استراتيجيًا ضخمًا لمصالحهما الحيوية الوجودية، لأن النفوذ الأميركي سيقترب أكثر من آسيا الوسطى وبحر قزوين.

ولكن، ومن ناحية أخرى، لن يتقبل المجتمع الإيراني بسهولة، فكرة الذوبان داخل دولة أخرى، وهو الشديد الصعب في التمسك بهويته القومية والتاريخية الممتدة لآلاف السنين.

ولكن، ودون شك، سوف تشهد إيران طفرة استثمارية وتقنية هائلة لو اندمجت بالنظام الاقتصادي الأميركي، تفوق القائم حاليًا في دول الرفاه العربي، والأوروبي كذلك. كما ستصبح إيران أهم نقطة عسكرية أميركية في العالم، لقربها من العراق والخليج وأفغانستان وباكستان وروسيا.

ولكن الأقرب إلى الواقع، والممكن والمتوقع ليس أن تصبح إيران "ولاية أميركية"، بل أن تتحول إلى حليف استراتيجي لواشنطن، أو إلى دولة منفتحة اقتصاديًا مثل اليابان أو كوريا الجنوبية.

فتاريخيًا، حتى الدول التي خاضت حروبًا دامية مع أميركا، ثم خضعت للاحتلال الأميركي زمنًا طويلًا، بعد ذلك، كما حدث في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لم تصبح ولايات أميركية، بل بقيت دولًا مستقلة، ولكن ذات تحالفات قوية مع واشنطن.

والسؤال المطروح اليوم، بعد البشائر بقرب انتهاء الحرب الحالية بين أميركا وإيران، هو،

هل يمكن أن يتحقق ما كان يبدو مستحيلًا وتصبح إيران حليفة الشيطان الأكبر الأولى في المنطقة؟

في عالم السياسة لا توجد عداوات دائمة، بل مصالح دائمة. هذه العبارة التي تتكرر كثيرًا في العلاقات الدولية تبدو اليوم أقرب إلى الخيال عندما نتحدث عن إمكانية تحوّل إيران من خصم شرس للولايات المتحدة إلى حليف استراتيجي لها.

لكن التاريخ نفسه يقول إن المستحيل السياسي قد يصبح واقعًا إذا تغيّرت الظروف والمصالح وموازين القوى.

قبل الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني عام 1979، كانت إيران واحدة من أهم حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط. في عهد الشاه محمد رضا بهلوي لعبت طهران دورًا محوريًا في الاستراتيجية الأميركية لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتي في المنطقة. كانت الأسلحة الأميركية تتدفق إلى إيران، والتنسيق الأمني والعسكري في أعلى مستوياته، حتى وُصفت إيران آنذاك بأنها "شرطي الخليج".

لكن الثورة الإسلامية قلبت المشهد بالكامل. فقد تحولت السفارة الأميركية في طهران إلى رمز للقطيعة، وبدأ فصل طويل من العقوبات والتوترات والحروب غير المباشرة والصراع السياسي والإعلامي.

وبالرغم من هذا التاريخ المعقد، فإن السؤال يظل مطروحًا: هل يمكن أن تعود إيران يومًا إلى موقع الحليف الاستراتيجي لواشنطن؟

الإجابة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة أيضًا. فالعالم شهد تحولات أكثر غرابة من ذلك. فيتنام التي خاضت حربًا مدمرة ضد الولايات المتحدة أصبحت اليوم شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا مهمًا لها. وكذلك جمهورية الصين الشيوعية التي انتقلت من العداء الكامل إلى الدولة الأكثر رعاية أميركيًا، في مراحل مختلفة من التاريخ الحديث.

فلو حدث تحالف أميركي ـ إيراني حقيقي، فإن الشرق الأوسط كله سوف يتغير. فإيران ليست دولة عادية، إنها قوة إقليمية تملك موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، وتشرف على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. كما تمتلك ثروات نفطية وغازية هائلة، وسوقًا كبيرة، وقدرات صناعية وعلمية لا يُستهان بها.

يعني أن أي انفتاح بين واشنطن وطهران قد يؤدي إلى: رفع كامل للعقوبات الاقتصادية، قد يكون تدريجيًا، وإلى تدفق استثمارات غربية ضخمة، وعودة شركات النفط والتكنولوجيا، وتحسن قيمة العملة الإيرانية، وانفراج اقتصادي ينعكس على حياة الإيرانيين، وحياة شعوب المنطقة. لكن العقبات لا تزال عميقة. فالملف النووي، والصراع مع إسرائيل، والنفوذ الإيراني في المنطقة، كلها ملفات شديدة التعقيد. كما أن هناك تيارات داخل إيران ترى أن العداء مع أميركا جزء من هوية النظام السياسي نفسه، في مقابل قوى أخرى تعتقد أن الانفتاح قد يكون ضرورة لإنقاذ الاقتصاد وتخفيف الضغوط الداخلية.

أما الولايات المتحدة، فهي بدورها تنظر إلى إيران من زاويتين متناقضتين: دولة مزعجة لمصالحها وحلفائها من جهة، لكنها أيضًا دولة يصعب تجاهل وزنها الجيوسياسي من جهة أخرى.

ربما لا تصبح إيران حليفًا كاملًا لواشنطن قريبًا، لكن السياسة لا تعرف الثبات. فالدول التي تتقادح اليوم قد تتصافح غدًا، والدول التي تبدو متحالفة الآن قد تتحول إلى متخالفة بعد سنوات.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل تستطيع المصالح أن تتغلب يومًا على زمن طويل من سفك الدماء والشعارات والعداء؟ الله أعلم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.