: آخر تحديث

لماذا لا تنتهي حروب أميركا؟

2
2
2

فالحرب، في كثير من الأحيان، لم تكن عندها حادثًا طارئًا، بل حالة دائمة، جزءًا من طريقة التفكير، ومن صورة القوة التي بنتها عن نفسها منذ خرجت إلى العالم كقوة عظمى. لا تنتهي لأن السؤال لم يكن يومًا: كيف نمنع الحرب؟ بل غالبًا: كيف نُديرها؟ وكيف نستثمرها؟

لا تنتهي حروب أميركا لأن الإمبراطوريات لا تعرف السكون. فالقوة حين تبلغ ذروتها تخاف من الفراغ أكثر مما تخاف من العدو. تحتاج دائمًا إلى ساحة، إلى خصم، إلى تهديد يُبرر الحشد، والإنفاق، والتوسع، والسيطرة. وحين يغيب العدو الحقيقي، يُعاد تعريفه، أو صناعته، أو تضخيمه، حتى لا يتوقف دوران الآلة.

لا تنتهي لأن الحرب في المنظومة الأميركية ليست فقط قرارًا عسكريًا، بل اقتصادًا كاملًا. مصانع سلاح، شركات أمن، عقود إعمار، ميزانيات خيالية، ووظائف مبنية على استمرار الصراع. هناك من يخسر إن حلّ السلام، ومن يربح كلما طال أمد النار. وحين تتحول الحرب إلى تجارة، يصبح إنهاؤها عملًا غير مربح.

ولا تنتهي لأن أميركا كثيرًا ما حاربت خارج حدودها، بعيدًا عن بيوتها ومدنها. الحرب حين لا تُدق أبوابك، تصبح أسهل قرارًا. تُدار من شاشات، تُختصر في أرقام، وتُروى كقصة "دفاع عن الحرية" أو "نشر الديمقراطية"، بينما يدفع ثمنها آخرون، في أرضٍ أخرى، بأجسادهم وذاكرتهم ومستقبلهم.

لا تنتهي لأن السياسة الخارجية الأميركية غالبًا ما رأت العالم كساحة نفوذ لا كنسيج إنساني. دول تُصنّف: حليف، عدو، منطقة نفط، ممر استراتيجي. شعوب تختزل في تقارير، وثقافات تُهمّش لصالح خرائط المصالح. وحين تُدار السياسة بهذا المنطق، يصبح الصراع نتيجة طبيعية، لا استثناء.

ولا تنتهي لأن كل حرب تُخلّف جراحًا غير مغلقة. أنظمة تُسقط دون بدائل حقيقية، مجتمعات تُفكك، فراغات سلطة تملؤها الفوضى أو التطرف. ثم يُستخدم هذا الخراب نفسه كذريعة لحرب جديدة، وكأن النار تُغذّي نفسها بنفسها، في دائرة لا تعترف بالنهاية.

لا تنتهي أيضًا لأن الداخل الأميركي نفسه يحتاج أحيانًا إلى عدو خارجي. الخوف يوحّد، والحرب تصرف الانتباه، وتُعيد رسم صورة "المنقذ" و"الحامي". في لحظات الأزمات الاقتصادية أو الانقسام الداخلي، يصبح الخارج مسرحًا لتصدير التوتر، وكأن الحرب وسيلة للهروب من مواجهة الذات.

ومع ذلك، لا تنتهي حروب أميركا لأنها، في جوهرها، لم تُحسم أخلاقيًا. لم يُطرح السؤال الأصعب بصدق: ماذا نفعل حين نملك القوة؟ هل نستخدمها لفرض إرادتنا، أم لضبط أنفسنا؟ هل نقيس النجاح بعدد القواعد العسكرية، أم بعدد الأرواح التي لم تُزهق؟

لهذا لا تنتهي.

لأنَّ الحرب حين تصبح لغة، تحتاج إلى من ينسى كيف يتكلم السلام.

ولأنَّ القوة حين تعتاد السير، تنسى كيف تتوقف.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.