: آخر تحديث

بين الأمس والغد هل الوقت خريطة نفوذ؟

2
3
2

هل تُدار السياسة بالعقول أم بالساعات؟ وهل الزمن مجرد قياس محايد أم أداة نفوذ خفية؟ من يحدد إيقاع العالم: الجغرافيا أم المصالح؟ وهل الحدود خطوط على الخرائط أم قرارات قوة؟ لماذا تتغير الحقائق بتغير موازين القوى؟ وهل يمكن أن يصبح الوقت نفسه سلاحًا ناعمًا؟ من يكتب الحاضر فعلًا؟ وهل المستقبل امتداد طبيعي أم صناعة سياسية محسوبة؟ وأين يقف الإنسان وسط كل ذلك؟

هذه الأسئلة بداية لطرح معضلة زمنية جغرافية سياسية. تقف جزيرتا ديوميد في مضيق بيرينغ كأنهما مفصل جغرافي صغير يحمل دلالات أكبر من حجمهما بكثير. المسافة بينهما لا تتجاوز بضعة كيلومترات، ومع ذلك تفصل بينهما دولتان عظميان ونظامان سياسيان وتوقيتان زمنيان مختلفان تقريبًا بيوم كامل. الجزيرة الصغرى تتبع الولايات المتحدة ضمن ولاية ألاسكا، بينما الكبرى تتبع روسيا، وقد تحوّل هذا التقارب الجغرافي الفريد إلى رمز مكثف للصراع الجيوسياسي والتنافس الاستراتيجي منذ الحرب الباردة وحتى اليوم.

اللافت أن خط التاريخ الدولي يمر بين الجزيرتين مباشرة، وهو الخط الافتراضي الذي يُعتمد عالميًا لتحديد بداية اليوم ونهايته. النتيجة تبدو شبه سريالية: سكان الجزيرة الأميركية يعيشون "أمسًا" مقارنة بجيرانهم الروس الذين يعيشون "غدًا" بالرغم من أنهم يستطيعون رؤية بعضهم بالعين المجردة في الأيام الصافية. هذه المفارقة الزمنية جعلت الجزيرتين تُعرفان شعبيًا باسم جزيرة الأمس وجزيرة الغد، وكأن الجغرافيا هنا تعيد تعريف الزمن نفسه.

خلال الحرب الباردة اكتسبت الجزيرتان أهمية استثنائية؛ فقد تحولت المسافة القصيرة بينهما إلى ما يشبه "ستارة جليدية" تفصل بين المعسكرين الشرقي والغربي. العبور كان شبه مستحيل، والجزيرة الروسية أُخليت من سكانها الأصليين وأصبحت منطقة عسكرية حدودية، بينما بقي في الجزيرة الأميركية مجتمع صغير من السكان الأصليين يعيش في عزلة نسبية، يعتمد على الصيد والدعم الحكومي ويواجه تحديات مناخية واقتصادية قاسية.

من الناحية الاستراتيجية، لا تتعلق أهمية الموقع فقط بالرمزية السياسية، بل أيضًا بموقعه قرب القطب الشمالي وممرات الطاقة والملاحة المستقبلية التي تزداد أهميتها مع ذوبان الجليد. لهذا يظل المضيق، بما فيه الجزيرتان، نقطة مراقبة حساسة في حسابات الأمن الدولي، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والملاحة والردع العسكري.

لكن ما يثير جدلًا أوسع هو البعد الزمني نفسه. اعتماد التوقيت العالمي وخط التاريخ الدولي يُقدَّم عادة باعتباره ضرورة تنظيمية لتسهيل التجارة والملاحة والاتصالات. ومع ذلك، ظهرت قراءات نقدية ترى أن توزيع المناطق الزمنية لم يكن دومًا محايدًا تمامًا، بل تأثر بمراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي التي صاغت النظام الدولي الحديث. وفق هذه الرؤية، قد يُنظر إلى الزمن بوصفه أداة تنظيم وقوة ناعمة في آن واحد، إذ يحدد إيقاع الأسواق والبث الإعلامي والتنسيق العسكري.

من هنا تنشأ ما يُطلق عليه "نظرية المؤامرة الزمنية الكبرى"، وهي طرح حاضر في بعض الخطابات التحليلية. هذه النظرية تفترض أن توحيد التوقيت العالمي وتحديد خطوطه لم يكن مجرد قرار تقني، بل خطوة ضمن مسار أوسع لضبط حركة الاقتصاد العالمي والسيطرة على تدفقات المعلومات. أصحاب هذا الطرح يستشهدون بتأثير فروق التوقيت على أسواق المال والبث الإعلامي والعمليات العسكرية، معتبرين أن من يحدد الإيقاع الزمني يمتلك قدرة غير مباشرة على التأثير في النظام الدولي.

مع ذلك، يرفض كثير من الباحثين هذه الفرضية، ويؤكدون أن نظام المناطق الزمنية تطور تدريجيًا نتيجة الثورة الصناعية وحاجة السكك الحديدية والملاحة إلى معيار موحد. من وجهة نظرهم، التوقيت العالمي نتاج براغماتي للتقدم التقني، لا أداة هيمنة مخططة. الحقيقة ربما تقع بين الطرفين؛ فالتاريخ يظهر أن أي نظام عالمي، حتى لو نشأ لأسباب عملية، يمكن أن يتحول لاحقًا إلى أداة نفوذ بفعل موازين القوة.

جزيرتا ديوميد تجسدان هذا التعقيد بوضوح. فهما ليستا مجرد نقطتين على خريطة، بل مختبر رمزي لفكرة أن الجغرافيا والسياسة والزمن قد تتداخل بطرق غير متوقعة. رؤية "الغد" من "الأمس" ليست مجرد مفارقة زمنية، بل تذكير بأن تقسيم العالم، سواء بالحدود أو بالساعات، هو في النهاية قرار بشري يعكس مصالح وتوازنات.

شخصيًا أعتقد أنه في زمن تتسارع فيه المنافسة الدولية على القطب الشمالي ومسارات التجارة الجديدة، ستعود هاتان الجزيرتان إلى دائرة الضوء مجددًا، ليس فقط كنقطة تماس بين قوتين، بل كنموذج لكيف يمكن للزمن نفسه أن يصبح عنصرًا في معادلة القوة. وبين التفسير العلمي البحت والقراءات المؤامراتية، تبقى الحقيقة الأكثر ثباتًا أنَّ إدارة الوقت عالميًا ليست مسألة تقنية فقط، بل قضية ترتبط بالاقتصاد والسياسة والهوية وحتى إدراك البشر لموقعهم في العالم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.