موسى بهبهاني
بالأمس كنا نقول، أهلاً يا شهر رمضان،
واليوم نقول، مهلاً مهلاً!
ما أسرعَ خُطاك، تأتي على شوقٍ وتَمضي على عَجَل!
فسبحان من وصفك بـ«أياماً معدودات».
إنه شهر الله، زائر خفيف الظل، كثير الهدايا، سريع الارتحال!
فهو شهر تمضي أيامه بتسارع كبير، كنا قبل أيام نترقب هلال هذا الشهر الكريم... والآن نترقب هلال شهر شوال...
نسأل الله بأن يغدق علينا بركات هذا الشهر، وأن نكون من المرحومين ولا نكون من المحرومين.
نودع شهر رمضان الذي يوشك على الرحيل، ونجدد العهد مع الله، هنيئاً لمن صام نهاره، وأحيا ليله، وتلا القرآن، واغتنم نفحات هذا الشهر الكريم.
فالأبواب مفتوحة والرحمة واسعة:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾.
ها هو شهر الخير قد تصرمت أيامه ولياليه، ولم يتبق منه إلا القليل، لنسارع بالطاعات والصدقات والدعاء، فالساعات المباركة لا تعود.
نحزن على فراقه، ونذرف الدموع عند وداعه، ونحن لا ندري هل رفع لنا فيه عمل صالح أم لا؟ وهل ازددنا فيه قرباً من الله أم لا؟ كيف لا نحزن عليه وهو شهر الرحمة، وتكفير السيئات، وإقالة العثرات، وفيه ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر.
بحزن نودع شهر رمضان لأجوائه وأسحاره المفقودة وليس بموائده اللذيذة، نعتبر ونقول حقاً كان «أياماً معدودات»، وكذلك هي الحياة، كما قلنا مرحباً لقدومه نقول وداعاً لانصرامه، وبوداعه عِبرة، فلكل شيء بداية ونهاية كما الحياة والموت.
والأهم بأن نطبق كل ما تعلمناه بهذا الشهر الفضيل من قراءة القرآن وصلة الأرحام وأعمال الخير والعلاقات الاجتماعية وملء المساجد طوال العام.
لا ننسى كلمة: «اللهم إني صائم».
بأن نستذكرها في كل الشهور، فبها نرد إساءة الآخرين لنا.
عن الرسول الأكرم:
(إنّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانِ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ).
اللهم لا تقضه إلا وأنت راضٍ عنا، واجعلنا من الفائزين والمقبولين ومن عتقائك من النار.
( أحبة فقدناهم )
ونستذكر أهلينا وأصدقاءنا وأحباءنا الذين كانوا معنا على مائدة الإفطار والسحور وقد فارقونا، رحمهم الله، فقلوبنا تئن ألماً ووجعاً على الذين غابوا عنا، فلا تزال جروحنا لم تندمل ودائماً يوقظها الاشتياق لمن كانوا حياة وسعادة فرح لأرواحنا، فتظل ذكرياتهم باقية في كل أركان المنزل، صورهم وطيفهم لا تزال حية في قلوبنا، سنظل نذكرهم وندعو لهم بالعفو والمغفرة، وندعو الله أن يشركهم في أعمالنا ونحن في ضيافته في هذا الشهر الفضيل.
يمضي شهر رمضان بعد أن أحسن فيه أقوام وأساء آخرون، يمضى وهو شاهد لنا أو علينا، شاهد لمن قام بصيامه وقيامه وبره وإحسانه، وشاهد على المقصر بغفلته وإعراضه ونسيانه.
فشهر رمضان كأنه (سوق) كان ثم انفض،
ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر،
فلله كم سجد فيه من ساجد؟
وكم ذكر فيه من ذاكر؟
وكم شكر فيه من شاكر؟
وكم خشع فيه من خاشع؟
وكم فرط فيه من مفرط؟
وكم عصى فيه من عاص؟
ارتحل شهر الصوم، فما أسعد نفوس الفائزين، وما ألذ عيش المقبولين، وما أذل نفوس العصاة المذنبين، وما أقبح حال المسيئين المفرطين.
سَلَامٌ، سَلَامٌ، سَلَامٌ
لأحلى اللَّيَالِي بِشَهْرِ الصِّيَامِ
سَلَام لِمَنْهَج إسْلَامِنَا
سَلَام لآيَات قُرْآنَنَا
سَلَام لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ...عَلَيْهِ السَّلَامُ.
نُوَدِّع شَهْر الصِّيَامِ الْفضيل
نَزَلْنَا ضُيُوفاً بِرَبّ جَلِيل
مَضَى مُسْرِعاً مِثْل حِلْم جَمِيل
كَوْمضة ضَوْءِ بِوَسَط الظَّلَام
زَمَان الْمَسَرَّة فِيه انْقَضَى
هَنِيئاً لِمَنْ فِيهِ نَال الرِّضَا
وَتَعساً لِمَنْ عَنْهُ قَدْ أَعرَضَا
وَلَمْ يَحْظ فِيه بِنَيْل الْمَرَام
سَنَبْقَى عَلَى نَهْجِنا لَا نَحِيدُ
نَعُدّ النُّفُوس لِيَوْم الْوَعِيد
ختاماً:
ندعو الله عز وجل بأن يوحد كلمتنا لنكون أمة واحدة على لُحمة واحدة، وأن يجعل هلال شوال متفقاً عليه بين جميع المسلمين، وفي القلوب غصة لتعرض وطننا الكويت إلى موجة من الاعتداءات، اللهم احفظ الكويت واحفظ أهلها وقيادتها والمقيمين على أرضها الطيبة من كل سوء.
ندعو المولى عز وجل بأن يحفظنا من كل سوء، وأن ينجينا من الفتن التي تُحاك لأمتنا الإسلامية من المتربصين والكائدين، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم.
اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين.

