انتهى الأسبوع الأول من الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وما يصلنا عنها من أخبار وتقارير من مختلف وسائل الإعلام يعد قليلاً، ولا يختلف عن جبل جليد في الماء لا تظهر منه إلا قمته، وفي الوقت نفسه لا يحمل جديداً. فكل توقعات المحللين السياسيين والعسكريين تحققت حتى قبل نهاية الأسبوع الأول. وفلتت السيطرة من القادة في واشنطن، وتل أبيب. وها هي الحرب تطول بأضرارها 12 بلداً في المنطقة، وتهدد الاقتصادات الدولية بسبب تعذر وصول شحنات النفط والغاز من دول الخليج إلى دول أوروبا وآسيا. دروس الحروب السابقة في العراق وأفغانستان تم تجاهلها. والآن، لا أحد في العواصم الثلاث المتورطة في الحرب بمقدوره التكهن بالاتجاه الذي من الممكن أن تسير نحوه، أو كيف يمكن إيقافها؟
الحرب، إلى حد الآن، حربٌ جوّية. إرسال قوات أميركية وإسرائيلية إلى إيران ليس وارداً الآن في حسابات القادة الأميركيين، والإسرائيليين. حسابات الانتخابات المقبلة هذه السنة في أميركا وإسرائيل تقف عائقاً دون إرسال قوات.
يوم الخميس الماضي قالت رئاسة العمليات الأميركية إن ضربات الصواريخ الباليستية الإيرانية وهجمات الطائرات المسيّرة انخفضت بنسبة 90 و83 في المائة على التوالي. لكن رئاسة العمليات نفسها لا تذكر شيئاً عن نسبة ما تبقى لديها من الصواريخ المضادة للصواريخ الإيرانية في مخازنها.
القوات الأميركية والإسرائيلية تعتمد في ضرباتها ضد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية على الأسلحة المضادة للصواريخ، وهي مكلفة مالياً. على سبيل المثال: إن الصاروخ الواحد من نوع «باتريوت» يكلف 3.9 مليون دولار أميركي. والصاروخ من نوع «تالون» يكلف 12 مليون دولار أميركي. التقارير الإعلامية ذكرت أن أميركا خلال الـ36 ساعة الأولى من الحرب أطلقت 340 صاروخاً من نوع «باتريوت»، و70 صاروخاً من نوع «تالون». العدد الإجمالي المستخدم من الصاروخين يحتاج من المصانع الحربية فترة 6 أشهر لتصنيعها. أي إن الاستخدام يفوق بكثير قدرة المصانع على الإنتاج، وتعويض المستهلك من الصواريخ. علماً بأن أميركا اشترت خلال فترة الرئيس السابق بايدن 73 صاروخاً من نوع «تالون»، وفق التقارير.
هناك اتفاق بين مختلف المعلقين والمحللين السياسيين والعسكريين على استحالة إسقاط النظام الإيراني في غياب وجود قوات على الأرض. ورغم ذلك يرفض الرئيس الأميركي ترمب دعوات التفاوض مع إيران، مصرّاً على استسلامها من دون قيد ولا شرط. الرئيس ترمب يرى أن الحرب فعلياً حُسمت بهزيمة إيران. وليس أمامها سوى التسليم غير المشروط. وأنه بنفسه سيختار الرئيس المقبل. إيران لم تنتظر، واختارت البديل للزعيم الذي اغتيل. وزيادة في العناد جاءت بابنه مكانه. وهي رسالة واضحة مرسلة للرئيس ترمب.
إسرائيل تعتبر الحرب ضد إيران حرب وجود. ترى أن وجودها مهدد ما لم يتم تغيير النظام الديني واستبدال آخر به، من دون مخالب وأنياب، ويقبل التعايش مع وجود إسرائيل. والنظام الإيراني، من جانبه، يرى أن الحرب الحالية تعد الجدار الأخير، وهزيمته فيها تعني نهايته. النظام الإيراني لا يستطيع هزيمة أميركا وإسرائيل، ولذلك السبب ينحصر همه في المحافظة على بقائه. البقاء يعني الفوز.
مع دخول الحرب أسبوعها الثاني، تقف الأطراف الثلاثة أمام معادلة صفرية؛ فواشنطن تواجه شبح استنزاف مخزونها الصاروخي الاستراتيجي بوتيرة أسرع من خطوط الإنتاج، مما يضع هيبة الردع الأميركي على المحك. ولهذا السبب ستلجأ قريباً إلى الاستعانة بأوكرانيا للحصول على طائرات مسيّرة متطورة رخيصة الثمن، وسهلة التصنيع، والاستخدام.
في المقابل، تراهن طهران على أن صمود «الجدار الأخير» وبقاء النظام يتوقف على نجاح خطتها في توسيع دائرة الحرب، بالاستمرار في منع وصول شحنات النفط والغاز إلى أوروبا. بهدف مراكمة الضغوط على واشنطن من حلفائها للقبول بوقف الحرب.
وبين إصرار الرئيس الأميركي على نصر حاسم بلا جنود على الأرض، وقناعة تل أبيب بضرورة التغيير الشامل في إيران، وعزم إيران على المقاومة، وعدم سقوط النظام يبقى السؤال: من يُرمّش العين أولاً؟

