في المملكة لا نحتفي فقط بإنجازات المرأة، بل نحتفي أيضًا بنموذج تنموي أثبت أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأقصر نحو المستقبل.. فالمرأة السعودية في هذا العهد ليست مجرد قصة تمكين، بل هي قصة وطن اختار أن يمضي بثقة نحو المستقبل، مؤمنًا أن نهضته لا تكتمل إلا بمشاركة أبنائه وبناته معًا..
يأتي اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس من كل عام مناسبة عالمية للتأمل في مسيرة المرأة الإنسانية، وما تحقق لها من مكتسبات في مختلف المجتمعات. غير أن لهذه المناسبة في المملكة طابعاً خاصاً؛ إذ تتزامن مع مرحلة تحول تاريخية تعيشها البلاد في ظل رؤية السعودية 2030، حيث أصبحت المرأة السعودية شريكاً أساسياً في التنمية وصناعة المستقبل.
فخلال سنوات قليلة فقط، شهدت المملكة نقلة نوعية في تمكين المرأة، لم تقتصر على تحديث الأنظمة والتشريعات، بل امتدت إلى تحولات عميقة في بنية المجتمع والاقتصاد. واللافت في هذه المرحلة أن التمكين لم يكن مجرد شعارات، بل ترجمته الأرقام والبيانات الرسمية التي تعكس حجم التحول الذي تعيشه المرأة السعودية اليوم.
ومن أبرز المؤشرات التي تكشف عن هذا التحول ما شهدته مشاركة المرأة في سوق العمل. فوفق أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية ارتفعت نسبة مشاركة المرأة السعودية في القوى العاملة إلى نحو 36 في المئة بحلول عام 2025، بعد أن كانت لا تتجاوز 17 في المئة في عام 2017. وهذا يعني أن مشاركة المرأة في سوق العمل تضاعفت أكثر من مرتين خلال أقل من عقد، متجاوزة بذلك مستهدف رؤية 2030 الذي كان محدداً عند 30 في المئة.
ولا تقف دلالات هذه الأرقام عند حدود الاقتصاد، بل تعكس تحولاً اجتماعياً وثقافياً عميقاً، إذ أصبحت المرأة السعودية اليوم حاضرة في معظم القطاعات المهنية، من التعليم والصحة إلى التقنية والهندسة والطيران والأمن والسياحة والقطاع الصناعي. كما أصبح حضورها واضحاً في قطاعات المستقبل المرتبطة بالاقتصاد المعرفي والتحول الرقمي.
وفي موازاة هذا التوسع في المشاركة الاقتصادية، سجلت معدلات البطالة بين السعوديات انخفاضاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث تراجع معدل البطالة بين النساء إلى نحو 12 في المئة في عام 2025، وهو من أدنى المستويات المسجلة تاريخياً. كما تشير البيانات إلى أن معدل المشتغلات السعوديات إلى إجمالي السكان بلغ نحو 31.8 في المئة، وهو مؤشر يعكس اتساع حضور المرأة في سوق العمل وتنامي دورها في الاقتصاد الوطني.
لكن التحول لم يقتصر على المشاركة الوظيفية فقط، بل امتد أيضاً إلى مواقع القيادة وصناعة القرار. فقد ارتفعت نسبة النساء في المناصب القيادية والإدارية العليا والمتوسطة إلى نحو 43.8 في المئة في عام 2024 مقارنة بنحو 28.6 في المئة في عام 2017، وهو ما يعكس انتقال المرأة السعودية من دائرة المشاركة إلى دائرة التأثير الحقيقي في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.
كما أصبحت المرأة السعودية جزءاً فاعلاً من منظومة صنع القرار في الدولة، حيث تشارك في عضوية مجلس الشورى السعودي، إلى جانب حضورها المتنامي في مجالس إدارة الشركات والهيئات الحكومية والمؤسسات الاقتصادية الكبرى.
وفي ميدان الاقتصاد الرقمي والتقنيات المتقدمة، سجلت المرأة السعودية حضوراً لافتاً يعكس توجه المملكة نحو اقتصاد المعرفة. ففي قطاع الأمن السيبراني، الذي يعد من أكثر القطاعات التقنية حساسية في العالم، بلغت نسبة مشاركة النساء السعوديات نحو 32 في المئة من إجمالي القوى العاملة في هذا القطاع، وهي نسبة تتجاوز المتوسط العالمي لمشاركة النساء في الأمن السيبراني الذي يبلغ نحو 24 في المئة.
ولا يقتصر هذا الحضور على المشاركة فقط، بل يمتد إلى برامج التدريب والتأهيل في المجالات التقنية المتقدمة، حيث تشير بعض المبادرات الوطنية إلى أن مشاركة النساء في برامج التدريب المتخصصة في الأمن السيبراني والتقنيات الرقمية قد تصل في بعض البرامج إلى نحو 45 في المئة، وهو مؤشر على تسارع انخراط المرأة السعودية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
أما في قطاع التعليم، الذي يشكل الركيزة الأساسية لأي تحول تنموي، فقد حققت المرأة السعودية حضوراً مميزاً. فالنساء يشكلن نسبة كبيرة من خريجي الجامعات في المملكة، كما برزن في مجالات البحث العلمي والابتكار، وأسهمن في دعم التحول نحو الاقتصاد المعرفي الذي تسعى إليه المملكة في المرحلة المقبلة.
كما برزت المرأة السعودية بقوة في قطاع ريادة الأعمال، حيث شهدت المملكة نمواً متسارعاً في المشاريع التي تقودها سيدات الأعمال، في ظل الدعم الذي تقدمه برامج تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وقد أصبح من المألوف اليوم أن تقود المرأة السعودية شركات ناشئة ومبادرات اقتصادية مبتكرة في مجالات التقنية والسياحة والخدمات والاقتصاد الرقمي.
ومع هذه التحولات المتسارعة، يمكن القول إن تمكين المرأة في المملكة لم يعد مجرد قضية اجتماعية، بل أصبح جزءاً أصيلاً من مشروع التنمية الوطنية.. فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق دون الاستفادة من طاقات المجتمع كافة، وهو ما أدركته المملكة عندما وضعت الإنسان في قلب مشروعها التنموي.
واليوم، ونحن نحتفي باليوم العالمي للمرأة، فإننا في المملكة لا نحتفي فقط بإنجازات المرأة، بل نحتفي أيضاً بنموذج تنموي أثبت أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأقصر نحو المستقبل.. لقد أثبتت المرأة السعودية خلال السنوات الماضية قدرتها على استثمار الفرص التي أتاحتها مرحلة التحول الوطني، وأنها شريك حقيقي في مسيرة البناء.
إن قصة المرأة السعودية في هذا العهد ليست مجرد قصة تمكين، بل هي قصة وطن اختار أن يمضي بثقة نحو المستقبل، مؤمناً أن نهضته لا تكتمل إلا بمشاركة أبنائه وبناته معاً.
وفي هذا اليوم، يمكن القول بثقة إن المرأة السعودية لم تعد تنتظر الفرص.. بل أصبحت تصنعها.

