في حياة المجموعات الإنسانية دائماً ما تظهر شخصيات لا تُعرف فقط بحضورها، بل بروحها التي تصنع المكان وتمنحه طعمه الخاص، ومن بين تلك الشخصيات التي ارتبط اسمها بشقة المرسم يبرز اسم (سليمان الجاسر رحمه الله تعالى) الذي يمكن اعتباره بحق الركن الثالث أو المؤسس الثالث لهذه المجموعة الاجتماعية الودودة بعد عثمان الخزيم وحسن الحمدان، مجموعة من الشباب والمهتمين بالإعلام والثقافة والفن، لم يكن الجاسر مجرد فردٍ ضمن هذه المجموعة بل كان حالة مختلفة، شخصية ظريفة تدخل المكان بابتسامة وتملؤه بخفة الدم والروح المرحة، كان سريع البديهة حاضر النكتة وصاحب قفشات ذكية لا تخلو من نقدٍ لاذع أحياناً، لكنه نقد يأتي دائماً في قالب لطيف يجعل الجميع يضحك قبل أن يفكر، ومع هذه الروح المرحة كان الجاسر أيضاً مثقفاً واسع الاطلاع وقارئاً جيداً في كثير من العلوم والمعارف، الأمر الذي جعل حديثه لا يقتصر على الدعابة فقط، بل يمتد إلى النقاشات الثقافية والفكرية التي كانت تثري جلسات الأصدقاء في تلك الشقة التي أصبحت مع مرور الوقت أشبه بمنتدى غير رسمي، ولعل واحدة من أهم المحطات في قصة هذه المجموعة كانت عندما استأجر سليمان الجاسر شقة خاصة به في العمارة نفسها التي يسكن فيها عثمان الخزيم، حينها حدث التحول إذ استطاع الجاسر أن ينقل تجمع الشباب من شقة المرسم عند عثمان إلى شقته الجديدة، لتصبح تلك الشقة لاحقاً محطة دائمة وملتقى مستمراً لسنوات طويلة وبنفس الاسم شقة المرسم، تحولت الشقة مع مرور الزمن إلى مجلس للشباب الموهوبين والوجوه النشطة، يجتمعون فيها للسمر والحديث وتبادل الأفكار والضحكات، وكان سليمان صاحب اليد الكريمة في استقبال ضيوفه، يفتح لهم الباب قبل قلبه ويحرص على أن يشعر كل من يدخل المكان بأنه بين أهله، ومن مواقفه المعروفة أنه كان كثيراً ما يفاجئ أصدقاءه بدعوات غير متوقعة داخل الشقة، فيطلب لهم المأكولات والمشروبات والضيافة على حسابه، وهذا ما جعل الألفة والصداقة التي صنعها هذا الرجل تكمن في قلوب المجموعة، لم يكن سليمان يرفض أي زائر بل كان يرحب بالجميع فباب الشقة يظل مفتوحاً من الصباح حتى موعد النوم، ولأنه طيب القلب وكريم كان يرفض من زوار الشقة الدائمين المساهمة في تكاليف الإيجار وفواتير الكهرباء أو التلفون الثابت في ذلك الوقت، ولأن مالك البناية التي فيها شقة المرسم طلب عدم تجديد الإيجار، انتقل سليمان لشقة في شارع الضباب فانتقل معه بعض رواد شقة المرسم وتفرّق البقية ثم انتهت حقبة المرسم بانتقال سليمان إلى جدة في النصف الأول من التسعينات الميلادية، هو خريج جامعة الرياض الملك سعود كلية الآداب قسم أدب إنجليزي، وبعد التخرج عمل معلماً لمادة اللغة الإنجليزية ثم انتقل لوزارة الإعلام ليعمل في القسم الأوربي في الإذاعة ثم انتقل إلى جدة ليعمل في الإذاعة هناك حتى توفاه الله، لكن بقي اسم سليمان الجاسر مرتبطاً في ذاكرة المجموعة ليس فقط كصاحب شقة أو صديق من الأصدقاء، بل كأحد الأعمدة التي قامت عليها حكايات مازالت مخزونة في ذاكرة من سكن وزار شقة المرسم.
وكشخصية محبوبة ما زالت ضحكاتها وتعليقاتها تتردد في ذاكرة كل من عرفه وجلس معه.
سليمان إبراهيم الجاسر شخصية فكاهية بالفطرة منذ عرفته وزاملته في المرحلة المتوسطة والثانوية بمدينة الخرج وهو ينثر البهجة والابتسامة. كنا ثلاثة أصدقاء نقضي معظم ساعات اليوم مع بعض. صديق اسمه فهد العبيداء (رحمه الله) سليمان الجاسر (رحمه الله) وأنا عبدالله الكعيد. في ثانوية الخرج الوحيدة آنذاك اشتهر سليمان كشخصية كوميدية محبوبة يتسابق الطلبة على صداقته والقرب منه. مثّل في مسرح المدرسة ومنها اشتهر بالأدوار الكوميدية المُضحكة.
حينما استأجر سليمان الشقة في الدور الأول أعلى شقة مرسم عثمان كان أصدقاء سليمان ومنهم كاتب هذه السطور يتواجدون يومياً عنده وكل صديق كان يدعو من يراه يناسب المجموعة والاهتمامات المشتركة.
سليمان بحسّه الكوميدي جذب ممثلي الكوميديا أمثال ناصر القصبي وبكر الشدي وعبدالعزيز الغامدي وخالد سامي وراشد الشمراني وغيرهم وكان يضحكهم بقفشاته وافيهاته المبتكرة والتي انتقلت من شقة المرسم إلى الاسكتشات الكوميدية على الشاشة.
بجانب حس سليمان الكوميدي فهو ناقد ساخر للأعمال الفنية والغنائية وهو بالمناسبة عاشق لفن صوت الأرض طلال مداح وقد رأيت في شقته بجدة مجموعة كبيرة من أشرطة الكاسيت لأغاني طلال وقد أقول إنه لا يطرب إلا على صوت طلال.

