: آخر تحديث

«الحرس» يضع يده على إيران

3
2
3

خيرالله خيرالله

وضع «الحرس الثوري» من خلال فرض مجتبى خامنئي «مرشداً» خلفاً لوالده نهاية لنظام قام في أساسه على رفض التوريث. يكفي للتأكد من ذلك التوجيه الأوّل الذي صدر عن مجتبى بعد الإعلان عن توليه موقع «المرشد» الذي يمثل السلطة العليا المطلقة في «الجمهوريّة الإسلاميّة».

جاء في التوجيه الذي يعكس رغبة «الحرس» في التصعيد الآتي:

- أولاً: نمنح القوات المسلحة تفويضاً كاملاً ومطلقاً لاختيار الزمان والمكان والوسيلة المناسبة للرد على أي اعتداء طال أو يطول أمننا القومي.

- ثانياً: «إن حماية المنشآت الحيوية والنووية هي خط أحمر، وأي تجاوز له يمنحكم الصلاحية لضرب أهداف إستراتيجية في عمق أراضي المعتدين وحلفائهم دون انتظار إذن مسبق.

- ثالثاً: إن الرد يجب أن يكون حازماً ومزلزلاً، ليفهم الاستكبار العالمي أن تغيير القيادة في إيران لا يعني ضعفاً، بل هو اشتعال لروح الانتقام والتحدي».

يبدو أن «الحرس» قرّر اعتماد التصعيد في كلّ الاتجاهات، بما في ذلك دول الخليج الجارة انطلاقاً من «روح الانتقام».

لا يمثل اختيار مجتبى خامنئي نجل «المرشد» الراحل ليحل مكان والده مفاجأة. يعود ذلك إلى أن علي خامنئي عمل منذ وصوله إلى موقع «المرشد» إلى تكريس سيطرته على مرافق الدولة بمشاركة «الحرس الثوري». بات «الحرس» يمثّل السلطة... وقد مارس هذه السلطة بالفعل عندما قرّر أن يكون مجتبى «المرشد» بهدف واحد وحيد يتمثل في حماية المصالح المشتركة بين السلطة العليا، ذات الصلاحيات المطلقة، في إيران من جهة و«الحرس» نفسه من جهة أخرى.

تحوّل «الحرس» في عهد خامنئي، الذي عمّر 37 عاماً، بين 1989 و2026 إلى العمود الفقري للنظام، بل إلى وحش لا مجال لضبطه. تبيّن في ضوء الأحداث الأخيرة أنّ من يحكم إيران هو «الحرس الثوري». يؤكّد ذلك أنّ الكلام الذي يصدر عن رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان، لا قيمة تذكر له. عملياً، لم تعد في إيران توازنات معيّنة بين الإصلاحيين والمتشددين. لم تعد، في ظلّ الحرب الدائرة، فائدة من هذه اللعبة التي كان خامنئي الأب يتقنها ويجعلها تصبّ في خدمة النظام ومناوراته.

مع غياب خامنئي، كان لا مفرّ من استمرار دولة «الحرس الثوري» عبر نجله. تماماً مثلما لم يكن ممكناً أن يخلف حافظ الأسد، أحد غير نجله بعدما أمضى الرجل ثلاثين عاماً في السلطة. كان مطلوباً بعد وفاة حافظ الأسد، بقاء السلطة والثروة داخل منظومة الحكم نظراً إلى التلازم بين هذين العاملين.

مارس خامنئي، السلطة على نحو مطلق. استطاع، عبر «الحرس»، أن يكون صاحب حصة كبيرة في الاقتصاد عبر شركات معيّنة وعبر مؤسسات تابعة لـ«المرشد». لم يكن النشاط الاقتصادي لـ«الحرس» بعيداً عن مجتبى، الذي خصص معظم وقته لتكوين سلطة خاصة به ...

يرمز اختيار مجتبى خامنئي لموقع «المرشد»،على الرغم من عدم امتلاكه الثقافة الدينيّة والمواصفات التي تؤهله لذلك، إلى دخول النظام الإيراني مرحلة جديدة هي مرحلة التوريث.

يفرض اختيار مجتبى خامنئي، ليحل مكان والده، طرح سؤال محدّد. يتعلّق هذا السؤال بمدى التزام مجتبى للسياسات المتشددة التي كان يتبعها والده. معنى ذلك، هل «المرشد» الجديد نسخة عن «المرشد» الراحل... أم أنّه شخص برغماتي يعرف أنّ حماية النظام القائم تقوم فقط على بقاء «الحرس الثوري» في السلطة. إلى أي حدّ يبدو مجتبى، الذي يبلغ الـ56 من العمر، مستعداً لإيجاد صيغة تفاهم مع إدارة ترامب ومع بنيامين نتنياهو وحكومته. يعرف «المرشد» الجديد، قبل غيره وفي ضوء ما حلّ بوالده في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، أن الخيار أمامه بين العيش تحت الأرض وبين التعرّض للاغتيال.

سارع «الحرس الثوري» إلى اطلاق دفعة جديدة من الصواريخ في اتجاه إسرائيل بعد الإعلان عن اختيار مجتبى «مرشداً» جديداً. الأكيد أنّ مثل هذا التصرّف يستهدف إنقاذ ماء الوجه. المسألة مسألة أيام قليلة يتبيّن بعدها هل مصلحة «الحرس الثوري» في متابعة الحرب أم إيجاد طريقة للاستسلام من منطلق أن الأولويّة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بما في ذلك المنظومة الاقتصادية.

طريق الاستسلام واضحة. توجد شروط معروفة لا يمكن للأميركيين والإسرائيليين التراجع عنها، بدءاً بالبرنامج النووي وانتهاء بالأذرعة الإيرانية مروراً بالصواريخ الباليستية والمنصات. ظاهراً، لا يمكن للنظام الإيراني القبول بهذه الشروط. لكنّ عليه في الواقع التكيف معها عن طريق مساومات تفرضها الحاجة إلى البقاء في السلطة بأي ثمن.

ليس ما يشير أنّ مجتبى، من خلال المعلومات المتوافرة عن سلوكه، من هواة الانتحار. قد يكون مختلفاً عن والده، بل مختلف جذري عنه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد