ورد في بيان للشركة، التي خسرت الكثير، نتيجة موقفها «الأخلاقي»، بأنها تمسكت بموقفها في رفض السماح للأجهزة الحكومية باستخدام برامجها في الذكاء الاصطناعي، لأنها أصرت على الإبقاء على قيود أخلاقية قانونية في عقودها، خصوصاً حظر استخدام نماذجها بدون قيود، وإصرار «البنتاغون» على عدم القبول بأي من شروط الشركة. وصرح مديرها التنفيذي داريو أمودي بأن الشركة تؤيّد كل الاستخدامات «القانونية» لأنظمتها، ما عدا حالتين: استخدام الأسلحة الذاتية بالكامل دون أي إشراف بشري، والمراقبة الواسعة للمواطنين، وأن قبول مطلب «البنتاغون» سيجعل الشركة تتخلى عن مبادئ «الذكاء الاصطناعي المسؤول» التي تأسست عليها، لذلك فضّل خسارة العقود على تغيير هذه السياسة، وتقدر خسائر الشركة بمئات ملايين الدولارات مباشرة، ومليارات محتملة من عقود مستقبلية. ووصف أصحاب ترامب الشركة بأنها «مجموعة من المتطرفين اليساريين»، قائلاً: «إنها أخطأت»، وسارع المشرِّعون الديموقراطيون إلى دعم موقف الشركة، ووصف دين بول، مستشار سابق لترامب، لشؤون الذكاء الاصطناعي، الوضع بأنه يوم أسود في تاريخ الأعمال الأمريكية.
واضح أن المسألة ليست صراعاً تعاقدياً بين «البنتاغون» والشركة، لكنه، كما أظهرت تصريحات ترامب، صراع أخلاقي وسياسي، لأن «البنتاغون» تريد من جميع المتعاقدين معها الالتزام بمعيار واحد، وهو أن للجيش الحق في استخدام ما يشتريه كيفما يشاء. لكن ذلك ليس صحيحاً، فقد رحّب موظفو الشركة بموقف رئيسهم التنفيذي الحازم. وفي لحظة نادرة من التضامن بين شركات الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون، وقّع موظفو شركتي أوبن إيه آي وغوغل، وهما منافستان لشركة أنثروبيك، رسائل تدعم موقف الشركة وانتقدوا أساليب التفاوض التي تتبعها «البنتاغون»، ودعا قادته إلى تجاوز خلافاتهم والتوحد لرفض مطالب وزارة الحرب الحالية.
كتب السيد أمودي: «في حالات محدودة، نعتقد أن الذكاء الاصطناعي قد يُقوّض القيم الديموقراطية بدلاً من حمايتها. كما أن بعض الاستخدامات تتجاوز حدود ما يمكن للتكنولوجيا الحالية القيام به بأمان وموثوقية».
من ناحية أخرى، أعلنت «البنتاغون» عن مضيها في استخدام النظام الذي تنتجه شركة تابعة لإيلون ماسك، مع أنه أقل كفاءة. كما أن تغيير برنامج الذكاء الاصطناعي سيستغرق وقتاً وسيؤدي حتماً إلى اضطراب في العمل، فـ«أنثروبيك» هي الوحيدة التي تعمل على الأنظمة السرية للجيش، لذا فإن حظرها قد يُعقّد تحليلات وكالة المخابرات المركزية والعمل الدفاعي.
التسارع الحالي، في الاعتماد شبه الكلي، مستقبلاً، على الذكاء الاصطناعي، له تبعات خطيرة، وموقف الشركة الأخلاقي مميز، لكن شركات أخرى ستقفز لاقتناص الفرصة، وفي السياق نفسه، أعلنت «أوبن إيه آي» عن تخصيص 110 مليارات دولار إضافية، للاستثمار في هذا المجال، وهذا رفع قيمة الشركة إلى 730 مليار دولار.
من ناحيتنا ستستمر العديد من دولنا في عدِّ «السنتات» القليلة التي خصصتها للتعليم والتطوير، ومحاولة إنقاصها، والإصرار على ربط الأخلاق بطول التنورة وشعر رأس المرأة.
وفي تطور لافت، أعلنت كيتلين كالينوفسكي رئيسة قسم الروبوتات في شركة open AI استقالتها، بعد توقيع شركتها اتفاقاً مع «البنتاغون» على الحلول محل شركة «أنثروبيك» التي ألغت الأخيرة عقدها. وبررت كالينوفسكي الاستقالة بأنها ترفض إعطاء «البنتاغون» حق مراقبة المواطنين او منح أنظمتها الروبوتية حق القتل الذاتي، دون تدخل بشري كما تريد «البنتاغون»، وهي الأسباب الأخلاقية نفسها التي على أساسها رفضت «أنثروبيك» التعاون مع «البنتاغون».
أحمد الصراف

