الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ومن أجل الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية القائمة بين بلاده ودول الخليج العربية، قدم يوم السبت الفائت، 7 مارس الجاري، اعتذاراً صريحاً قائلاً "أعتذر للدول المجاورة وليست لدينا عداوة معها"، مضيفاً "يجب أن نعمل مع دول الجوار بهدف ضمان وتأمين الأمن والسلام".
بزشكيان جاء حديثه هذا كي يخفف من ثقل الأكلاف الباهظة التي يتحملها نظامه، نتيجة الهجمات العدائية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة التي أطلقها "الحرس الثوري" و"القوات المسلحة" الإيرانية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، رغم أنها لم تكن جزءا من الحرب الإسرائيلية – الإيرانية على إيران، بل إنها رفضت بشكل صريح استخدام أراضيها في أي أعمال حربية.
هذه الخطوة التي قام بها الرئيس الإيراني، أعلن خلالها أيضاً عن أن "مجلس القيادة المؤقت" قد قرر "تعليق الهجمات على الدول القريبة ما لم تنطلق هجمات على إيران من أراضيها". وهو خطاب نظر له الكثيرون باهتمام بالغ. حتى أن رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، قال في حوار مع قناة "سكاي نيوز" الإنجليزية: "كنا نعمل في الوقت نفسه مع بقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية للخروج بموقف جماعي يؤكد أننا نريد أن نرى ما قاله الرئيس الإيراني مطبقاً على أرض الواقع" مضيفاً "بينما كنا نجري تلك المناقشات مع زملائنا في دول مجلس التعاون، كانت هذه الدول تتعرض للهجوم". وهو الأمر الذي جعل تصريحات الرئيس بزشكيان تفقد قيمتها السياسية.
لقد كانت الصواريخ والمسيرات ترسل على دول الخليج العربي رغم الموقف الصريح الذي أعلنه بزشكيان، وكان من الممكن أن يكون لمبادرة الرئيس الإيراني ثقل حقيقي لو أن هذا العدوان بدأت تتراجع وتيرته بشكل تدريجي ملحوظ خلال 24 ساعة من خطابه المتلفز، إلا أن الاعتداءات استمرت، ما يعني أن "الحرس الثوري" كان له موقف آخر، وأن رئاسة الجمهورية في إيران غير قادرة على إرغام "الحرس" بالامتثال لقرارها.
أبعد من ذلك، في اليوم التالي، ظهر الرئيس مسعود بزشكيان وهو يقول إن تصريحاته "تم تحريفها من قبل العدو الذي يسعى إلى زرع الفتنة مع الجيران" في إشارة منه للتدوينة التي نشرها الرئيس الامريكي دونالد ترمب، عقب موقف بزشكيان.
"وزارة الخارجية" السعودية أصدرت بياناً، جاء فيه "فيما يتعلق بدعوة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أوضح فيها أنه ليس لديهم خطط للاعتداء على دول الجوار وأنه تم اتخاذ قرار بذلك من قبل مجلس القيادة، فإن المملكة تؤكد أن الجانب الإيراني لم يطبق تلك الدعوة على أرض الواقع، سواء خلال إلقاء الرئيس الإيراني لكلمته أو بعدها واستمر في اعتداءاته مستنداً لحجج واهية لا تستند لأي حقيقة". ما يعني أن هذه الخطوة تم إجهاضها وهي في مهدها، ومن كتب نهايتها ليس الرياض والعواصم الخليجية، وإنما "الحرس الثوري" والمتحالفون معه من "التيار المتشدد".
إن إشكالية إيران في الوقت الحالي أن "الحرس" و"المتشددين" قد أقصوا "رئاسة الجمهورية" و"وزارة الخارجية" وجعلوا هاتين المؤسستين وكأنهما لا دور أو استقلالية لهما، معتبرين أن المرحلة هي للمواجهة المفتوحة، حتى لو أدى ذلك لمزيد من التصعيد، دون حسبان للعواقب المترتبة على ذلك!
"الحرس الثوري" يخطئ في حساباته، وإذا استمر في أعماله العدائية تجاه دول الخليج العربية، فإنه بذلك يشد خناق العزلة على شعبه ونظامه، ويدخل إيران في تعقيدات إقليمية لن تحقق له النتائج التي يعتقد أنه سيصل لها.

