: آخر تحديث

النصر المستحيل

4
2
3

خالد بن حمد المالك

يخطئ النظام الإيراني، أمام الجحيم الذي يدمر البلاد، إذا ما تصوَّر أن إطالة أمد الحرب تأتي لصالحه، وإذا ما جاءت تقديراته في إطار أن بإمكانه إفشال الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي لا يرحم، بل وإذا ما توقَّع أن الثنائي سوف تتعبه الحرب مهما كان حجم تعقيداتها.

* *

إذ لا يوجد تكافؤ في القوة العسكرية، حتى وإن قالت طهران إن بإمكانها أن تواجه هذه القوة الضاربة بصمود وثبات، كونها تدافع عن نفسها أمام عدو معتد عليها، وإنه لا خيار أمامها إلا مواصلة القتال، دون حسابات للخسائر الجسيمة التي تتعرَّض لها بشرياً واقتصادياً وأمنياً.

* *

أفهم جيداً أن إيران في حالة دفاع أمام حرب إسرائيلية أمريكية ضروس، وأنها لم تكن من بدأ إطلاق شرارة الضربة الأولى، وأن نتيجة اليوم الأول من الحرب إلى جانب الدمار الشامل مقتل أكثر من أربعين عسكرياً ومدنياً من قادتها الكبار، وبينهم المرشد الأعلى خامئني، ولكن أما كان لإيران أن تمنع هذه الحرب لو تخلت عن مفاعلها النووي، وتجاوبت مع الرغبة الدولية؟!

* *

إسرائيل هي المستفيد الأول من الحرب، وهي من ضغطت على أمريكا للقيام بها، وهي من مهدت الطريق لضرب إيران بإضعاف وكلائها من الميليشيات في بعض الدول العربية، بل بحربها الأولى على إيران نفسها العام الماضي، وستكون إيران الضحية الأخيرة والأهم لدى إسرائيل ولدى الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن تم تقصيص أذرعتها في المنطقة.

* *

إذا فكرت طهران بأنها سوف تخرج منتصرة في هذه الحرب، على جثث الآلاف من قتلاها، وتدمير أغلب أو كل منشآتها العسكرية والاقتصادية، فهي بذلك تبيع الوهم للشعب الإيراني، الذي تحاول أن تغيِّبه عن الحقيقة والواقع، وتخفي عنه أسرار مستقبلها الغامض.

* *

لمصلحة إيران أن تقبل بالموافقة على إنهاء مشروعها النووي ولو على مضض، وتتوقف عن إنتاج وامتلاك الصواريخ الباليستية، والقبول بعدم تمويل أذرعتها في المنطقة بما يضر بمصالح الدول، أو يجعل هذه الدول في حالة من عدم الاستقرار، إذ لا مصلحة لإيران بعد 47 عاماً من سياسات فاشلة وتأكد لها أنها أكثر المتضررين منها أن تواصل هذه السياسة.

* *

أعرف أن الاستسلام، والقبول بالشروط الأمريكية لها مرارتها، ولكن مثلما قال الخميني بأن موافقته على إيقاف الحرب مع العراق حين امتدت إلى ثماني سنوات كمن كان يتجرَّع السم، ولكن لم يكن أمامه من خيار آخر، وقد فشل في تحقيق انتصار كان مستحيلاً آنذاك، وما على إيران الآن إلا أن تتجرَّع السم كما فعل الخميني.

* *

اليوم يتكرر المشهد، وتعود بنا الذاكرة إلى مواقف إيرانية سابقة، كانت مؤثِّرة ومدوِّية، فقد ساعد النظام الإيراني أمريكا في القضاء على نظام صدام حسين، وتعاون مع واشنطن على تأسس النظام الجديد القائم حالياً في العراق.

* *

لكن الصداقات المشوبة بالشك، والأجندات المختلفة، والنوايا غير الحسنة لا تدوم، فهناك مصالح تتقاطع بين الدول، وتوجهات متباينة بينها، وهذا هو الذي كان، ثم أصبح بين واشنطن وطهران، فقد كان التفاهم مع نظام الخميني على إسقاط الشاه، ثم مع خامئني على إسقاط صدام حسين، والآن جاء الدور لإسقاط نظام الملالي.

* *

والهجوم الإيراني على المملكة ودول مجلس التعاون والدول الأخرى يمثِّل حالة يأس، واستسلام إيراني مبكر، وهروباً من الواقع، ويزيد من معاناة الشعب الإيراني على مدى عقود قادمة، ولا حل أمام إيران في ظل وضعها الحالي أمام الضربات الأمريكية الإسرائيلية إلا القبول بالشروط الأمريكية قبل فوات الأوان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد