العدوان الحالي على جزء من المنطقة العربية درس هائل لأبناء الإقليم، هذه المرة يأتي من جواره الطامح إلى استعادة صيغ قديمة من الهيمنة تحت مسميات مختلفة.
كأننا نعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين اندفعت القوى الغربية نحو الشرق، وأعادت ترتيب عمق الإقليم وفق رؤيتها ومصالحها.
كان ذلك بعد الانفجار الصناعي العظيم، حين أصبحت طرق التجارة والطاقة والبحار شرايين حياة للقوى الكبرى، والآن تعود الفكرة ذاتها، ولكن في سياق أكثر تعقيداً.
اللحظة الراهنة تكشف حقيقة أكثر عمقاً، فالإقليم العربي عقدة طرق كبرى في العالم، تربط البحر المتوسط بالمحيط الهندي، وتربط آسيا بأفريقيا، وتمسك بأهم الممرات البحرية في النظام الدولي، من مضيق هرمز إلى باب المندب إلى قناة السويس؛ ولهذا فإن السيطرة مسألة تتعلق بتوازنات النظام العالمي كله.
غير أن الدرس الأكبر يتعلق بالعرب أنفسهم، فالإقليم الذي لا يمتلك رؤية مشتركة لأمنه وحدوده وممراته يتحول بالضرورة إلى ساحة مفتوحة للآخرين. ومن هنا يطرح السؤال الجوهري: كيف يخرج العالم العربي من هذه الدائرة التاريخية؟
أولاً، إعادة تعريف الأمن القومي العربي، فالأمن لم يعد يقتصر على الحدود السياسية للدول، إنه يمتد إلى الممرات البحرية، والطاقة، والغذاء، والمياه، وسلاسل الإمداد. وأي دولة عربية لا تستطيع أن تؤمن هذه العناصر منفردة، وتحتاج إلى إطار إقليمي مشترك.
ثانياً، بناء مفهوم الإقليم العربي بوصفه وحدة جيوسياسية، فالعالم العربي، شئنا أم أبينا، هو تجمع يبدأ من اللغة والدين والثقافة إلى الفضاء الاستراتيجي، ومن دون إدراك هذه الحقيقة ستبقى كل دولة تدير أزماتها بمعزل عن الأخرى، وهو ما يسمح للقوى الخارجية بتفكيك الإقليم قطعة بعد أخرى.
ثالثاً، إنهاء الحروب الأهلية المزمنة، فالحروب الداخلية هي المدخل الرئيسي لكل تدخل خارجي، وكل تجربة في المنطقة تثبت أن الدولة التي تنهك نفسها بصراعاتها الداخلية تفتح الباب أمام الآخرين ليقرروا مصيرها.
رابعاً، بناء شبكة مصالح اقتصادية عربية عميقة، فالتكامل الاقتصادي أداة قوة، وكل الأقاليم الناجحة في العالم بدأت من السوق المشتركة قبل أن تصل إلى التكامل السياسي.
خامساً، إعادة بناء مفهوم الدولة الوطنية، فالدولة التي تقوم على الطائفية تظل دولة هشة، قابلة للاختراق، أما الدولة التي تقوم على المواطنة والمؤسسات فهي وحدها القادرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية.
سادساً، امتلاك مشروع حضاري للمستقبل، فالأقاليم بالسياسة المتزنة، والعلم، والمعرفة، والقدرة على الإنتاج، والعالم العربي لا يمكنه أن يستعيد مكانته إلا إذا أصبح جزءاً فاعلاً من اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا.
لا بد للإقليم أن يتحول إلى إقليم واعٍ بقيمته الجغرافية والحضارية، وإما أن يبقى مجرد ساحة مفتوحة تتصارع فوقها القوى الأخرى.
والتاريخ يقول إن الأقاليم التي تفهم موقعها في الجغرافيا قادرة دائماً على العودة، حتى بعد أطول لحظات الضعف.
سوف تنتهي هذه الحالة الراهنة، ولكن الأهم هو اليوم التالي من عقلاء الإقليم العربي، لكتابة وثيقة جديدة يتكامل بها الإقليم، بحثاً عن مقعد حقيقي في نظام عالمي يتشكل باندفاع غير مسبوق.
شاء التاريخ، وأرادت الجغرافيا أن يحتل الإقليم قلب العالم، تتقاطع عنده الممرات والطرق، ويحوز على عصب الطاقة العالمية، وعلى أبنائه أن يدركوا هذه القوة المخزونة، ويبدأوا التفكير في لحظة مشتركة نادرة خلقتها الظروف الراهنة لبناء حصن عربي منيع.

