: آخر تحديث
هاشتاك الناس

العراق يقتل العراق

5
6
5

يا له من زمنٍ عجيب؛ وطنٌ غني بكل شيء وفقير بكل شيء في الوقت نفسه. لدينا النفط، لكن المواطن يبحث عن عمل، ولدينا التاريخ، لكن الحاضر مرتبك كطالبٍ نسي دروسه ليلة الامتحان. أما الشعارات الوطنية فترتفع في الهواء مثل بالونات احتفال، جميلة من بعيد، فارغة من الداخل.

العراق اليوم يشبه بيتًا كبيرًا اشتعلت فيه النيران، لكن سكانه منشغلون في الشجار حول لون الجدران. الأصوات ترتفع، والجدالات تزداد، بينما السقف نفسه يوشك أن يسقط فوق رؤوس الجميع.

حماية العراق لا تبدأ بالعنتريات ولا بالشعارات التي تُلقى في المؤتمرات وتُنسى في الطريق إلى البيت، بل تبدأ بالإنسان: بالطفل الذي يجب أن يجد مدرسةً لا بندقيةً، وبالمرأة التي تستحق أن تمشي في شارع آمن، وبالشاب الذي يرى مستقبله في وطنه لا في خرائط الهجرة.

لكننا اخترعنا لأنفسنا بطولةً غريبة: بطولة الانقسام. دولة داخل دولة، وسلطة فوق سلطة، وأصوات تعلو فوق القانون. الجميع يتحدث باسم العراق، لكن العراق نفسه لا يجد من يسمعه؛ فالشعب يعيش بين مستشفيات مزدحمة ومدارس متعبة وطرقات تعرف الحفر أكثر مما تعرف الإسفلت.

العراق لا يحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى أفعال بسيطة: مدرسة تُبنى، مستشفى يُصلح، طريق يُعبّد، وقانون يُحترم. هذه أمور عادية في قاموس الدول، لكنها عندنا تُعد إنجازات استثنائية.

وفيما تتصاعد الحروب في المنطقة، يقف العراق أمام سؤال مصيري: هل يكون وطنًا يحمي نفسه، أم ساحةً يتصارع فيها الآخرون؟ فالحرب الأخطر ليست تلك القادمة من الخارج، بل الحرب الصامتة التي يخوضها العراق مع نفسه، حين يتحول السلاح من وسيلة حماية إلى وسيلة انقسام.

العراق لا يحتاج إلى أبطال في ميادين الصراخ، بل إلى عقلاء يطفئون الحرائق. فالعنتريات لا تبني وطنًا، والانتصارات الوهمية لا تطعم طفلًا جائعًا.

ولنكن واقعيين: إيران تبني قوتها بصناعة وسلاح واقتصاد قادر على الصمود، بينما نحن بلدٌ نفطي يستورد كل شيء تقريبًا، من الطماطم إلى الكهرباء. هم يستطيعون المقاومة لأن لديهم ما يسندها، أما نحن فأحيانًا تهزنا تغريدة يكتبها ترامب بعيدًا خلف المحيط.

فبأي شجاعة خطابية نعلن استعدادنا للحروب ونحن بالكاد نملك مقومات الصمود؟ الحكمة ليست دائمًا في رفع الصوت، بل أحيانًا في خفضه؛ ليست في فتح أبواب المعارك، بل في إغلاق نوافذ البيوت قليلًا لحماية ما تبقى من الوطن.

الحقيقة المؤلمة بسيطة: العراق يقتل العراق. والسؤال الأبسط: هل نريد للعراق أن يعيش؟

إن كان الجواب نعم، فالحل واضح: لا تقتلوا العراق بسلاح العراق. احموا شعبه، أوقفوا حروب الداخل والخارج، واجعلوا القانون أعلى من كل صوت.

فالعراق ليس خطابًا سياسيًا ولا نشرة أخبار؛ العراق طفلٌ يريد أن يكبر، وشابٌ يريد أن يحلم، وأمٌّ تريد أن تطمئن.

وإن لم نحمه نحن، فلن يحميه أحد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.