: آخر تحديث

شقة المرسم «الحكاية 13»

1
1
1

في شقة المرسم حين يغيب الحضور تجد الحكاية، وجوه دائمة البقاء وأخرى تكون حاضرة، الزوار للشقة تم تصنيفهم قادمون ومغادرون لسنوات ما بين «1983» إلى «1997»، فقد ظلت الشقة من تلك الأمكنة التي لا تُقاس بمساحتها، بل بما احتوته من أنفس وما شهدته من حكايات وذكريات، لم يكن من السهل أن يجتمع أعضاء شقة المرسم في ليلة واحدة، فالمجموعة على اختلاف مشاغلها وتوجهاتها نجدها من النادر ما تكتمل، يجتمعون غالبيتهم في مناسبة لأحد منهم مثل خطبة أو زواج أو مولود، عندها ترتفع نسبة الحضور وكأن الفرح هو اللغة الوحيدة التي تُعيد الجميع إلى نقطة الالتقاء، تتكون مجموعة المرسم من فسيفساء إنسانية جميلة حيث تضم أدباء، وشعراء وإعلاميين وفنانين، لكلٍ منهم عالمه الخاص، فالشعراء والأدباء هم الأقل عدداً، والفنانون يشكلون الحضور الأكبر، بينما يقف الإعلاميون في المنتصف بعددهم الوسط، أما قلب الشقة النابض فهم تلك الفئة الأساسية الدائمة، سليمان الجاسر مستأجر الشقة، الرجل الذي فتح بابه قبل قلبه، فكانت شقته محطةً للحوارات ومنصةً للأفكار، وإلى جانبه الفنان التشكيلي عثمان الخزيم صاحب شقة المرسم والذي جمع المجموعة في اللقاءات الأولى لأشهر قبل الانتقال لشقة سليمان، ومع الخزيم مهندس الديكور بالتلفزيون الفنان حسن الحمدان، هؤلاء هم ثلاثي الحضور الدائم الذين كانوا بمثابة المثلث الذي به تكوّن هذا الكيان، يضاف إليهم الضلع الرابع عبدالله الكعيد، ثم تأتي الفئة شبه الدائمة أولئك الذين لا يغيبون طويلاً وإن غابوا عادوا سريعاً مثل رجل الأعمال ماجد الماجد، ومن بعده يأتي المرتادون الذين يأتون في ليالي الشقة وهم الدائمون، خليط من الأدباء والإعلاميين والفنانين، يتغيرون ويتبدلون لكنهم يتركون أثراً ولو كان عابراً، أما الزوار فئة القدوم والمغادرة فهم الحكاية الأكثر خفةً ودهشة، يمرون على الشقة كما تمر النسائم، حيث يشاركون في الأحاديث ويضيفون نكهة مختلفة للنقاش ثم يمضون، تاركين خلفهم صدى كلمات وربما بداية صداقة، غير أن من ملامح شقة المرسم اللافتة، ذلك الغياب الذي لا يُفسَّر إلا بطبيعة الحياة نفسها، فكثير من الفنانين وخصوصاً الممثلين كانوا يغيبون عن الشقة فترات قد تمتد إلى أشهر، لانشغالهم بتصوير أعمال ومسلسلات خارج الرياض والمملكة، يرحلون بأجسادهم ويبقون بأحاديثهم التي لم تنقطع، وكذلك بعض الإعلاميين الذين تأخذهم مهامهم إلى خارج الرياض أو البلاد لتغطية أحداث إعلامية أو ثقافية أو فنية، فيغيبون أياماً أو أسابيع لكن حضورهم يظل مؤجلاً لا منقطعاً، وحين يعود الغائبون أو يجتمع من حضر، تُفتح أبواب الأسئلة قبل أبواب الشقة، ماذا فعلت؟ ماذا قدّمت؟ لماذا غبت؟ كيف كانت تجربة السفر؟ ماذا تعلّمت؟ وماذا أضافت لك تلك الرحلة؟ تتحول الجلسة «تتوسطها وليمة ذات قدر وقيمة» إلى مساحة بوح يستعرض فيها كل واحد رحلته ونجاحاته وتعبه وربما حنينه إلى تلك الزاوية التي اعتاد أن يجلس فيها واشتياقه لشقة المرسم ومحتواها البشري الراقي، وهكذا لم يكن الغياب نقصاً بين الأصدقاء، كانت الشقة تؤمن أن من يغيب سيعود محمّلاً بحكاية تكون محتوى الجلسة لتجعل المكان دائماً حيّاً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد