لم يكن خبر رحيل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي مجرد إعلان وفاة لرجل شغل منصب الرئاسة في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ اليمن الحديث، بل بدا وكأنه إعلان رمزي عن نهاية حقبة كاملة، وربما نهاية آخر خيط دستوري ربط اليمن بفكرة "الدولة الجمهورية" التي عرفها منذ ثورة السادس والعشرين من أيلول (سبتمبر) و14 تشرين الأول (أكتوبر).
فبرحيل هادي، يغيب آخر رئيس يمني وصل، ولو استثنائيًا، عبر عملية انتخابية معترف بها داخليًا ودوليًا، في بلد تحوّل تدريجيًا من دولة ذات مؤسسات وجيش ودستور، إلى جغرافيا ممزقة تتقاسمها المليشيات، ومراكز النفوذ، والتدخلات الإقليمية، والمشاريع المتصارعة.
وربما لا تكمن أهمية عبد ربه منصور هادي في شخصه بقدر ما تكمن في رمزيته التاريخية؛ إذ كان آخر تجلٍّ، حتى وإن كان هشًا، لفكرة "الرئيس الشرعي" في اليمن، قبل أن تدخل البلاد في مرحلة السيولة السياسية الكاملة، حيث لم يعد واضحًا من يحكم، ولا كيف يُحكم، ولا حتى ما إذا كانت الدولة ما تزال موجودة أصلاً.
رجل المرحلة الانتقالية… الذي ابتلعته العاصفة
وصل هادي إلى السلطة عام 2012 في ظروف استثنائية أعقبت انتفاضة 2011 ضد نظام الرئيس علي عبد الله صالح، ضمن المبادرة الخليجية التي حاولت تجنيب اليمن الانهيار الكامل.
لم يكن الرجل زعيمًا كاريزميًا، ولم يمتلك مشروعًا ثوريًا أو قاعدة شعبية صلبة، لكنه قُدِّم بوصفه "رجل التسوية"، والشخصية القادرة على إدارة مرحلة انتقالية تمتد لعامين، تُعاد خلالها صياغة الدولة، وتُعد فيها مخرجات الحوار الوطني، ويُكتب دستور جديد وتُهيأ البلاد لانتقال سياسي آمن.
لكن اليمن لم يكن يعيش أزمة سلطة فقط، بل أزمة بنية دولة كاملة.
فالدولة التي تسلمها هادي كانت منهكة أصلاً:
جيش منقسم، قبائل متصارعة، اقتصاد هش، تنظيمات متطرفة،
نفوذ إقليمي متشابك، ومجتمع مثقل بإرث طويل من الحروب والانقسامات.
وكانت المشكلة الكبرى أن المرحلة الانتقالية بُنيت على تسوية سياسية أوقفت الانفجار مؤقتًا، لكنها لم تعالج جذور الأزمة اليمنية العميقة.
اليمن… حين تحوّل الموقع الجغرافي إلى لعنة استراتيجية
لم تكن مأساة اليمن داخلية بالكامل، كما لم تكن مجرد نتيجة لصراع سياسي محلي على السلطة.
فهذا البلد الذي يقف عند واحدٍ من أهم الممرات البحرية في العالم، والمشرف على باب المندب والبحر الأحمر وخطوط التجارة الدولية، لم يكن يومًا معزولاً عن حسابات الجغرافيا السياسية الكبرى.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية بعد أحداث "الربيع العربي"، تحوّل اليمن تدريجيًا من دولة تعاني أزمة داخلية إلى ساحة اشتباك مفتوحة لمشاريع النفوذ الإقليمي والدولي.
فالسعودية كانت تنظر إلى اليمن باعتباره عمقها الأمني الحساس، وترى أن سقوطه بيد جماعة مرتبطة بإيران يشكّل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وحدودها الجنوبية.
وفي المقابل، رأت إيران في الحوثيين فرصة استراتيجية نادرة للتقدّم نحو خاصرة الخليج والاقتراب من واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
وهكذا لم يعد اليمن مجرد أزمة حكم محلية، بل تحوّل إلى نقطة تقاطع بين:
الأمن الخليجي، والنفوذ الإيراني، وأمن الطاقة العالمي، وصراعات البحر الأحمر، وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
ومن هنا أصبحت الحرب اليمنية أكبر من اليمنيين أنفسهم.
فكلما حاول الداخل إنتاج تسوية، اصطدمت المعادلة بحسابات إقليمية أكثر تعقيدًا، حتى بدا وكأن البلاد فقدت تدريجيًا حقها في امتلاك قرارها الوطني المستقل.
ولعل أخطر ما حدث أن اليمن لم يعد يُنظر إليه بوصفه دولة ذات سيادة كاملة، بل باعتباره "مساحة نفوذ" ضمن خرائط الصراع الكبرى، الأمر الذي عمّق هشاشة الدولة، وأطال أمد الحرب، وربط مستقبل اليمن بتوازنات إقليمية تتغير باستمرار.
من الدولة الهشة إلى "اللا دولة"
خلال سنوات قليلة فقط، انهارت العملية الانتقالية بالكامل.
سقطت صنعاء بيد الحوثيين في أيلول (سبتمبر) 2014، وتفككت مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى، ثم دخل اليمن في حرب شاملة بعد تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية عام 2015.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد اليمن دولة بالمعنى التقليدي.
بل أصبح ساحة مفتوحة لتعدد السلطات والجيوش والولاءات:
• الحوثيون يسيطرون على صنعاء ومؤسسات الشمال.
• المجلس الانتقالي الجنوبي يفرض نفوذًا واسعًا جنوبًا، وقد تراجع كثيرًا في الآونة.
• الحكومة الشرعية تحولت إلى سلطة منفية خارج البلد مع محدودية التأثير.
• حزب الإصلاح (فرع الإخوان المسلمين في اليمن) يسيطر على ما تبقى من مأرب.
• قوى قبلية وعسكرية ومحلية تدير مناطق مستقلة فعليًا.
• التدخلات الإقليمية أصبحت جزءًا من معادلة الحكم والسيادة.
وهكذا دخل اليمن أخطر تحول في تاريخه الحديث:
الانتقال من "الدولة الضعيفة" إلى "اللا دولة".
وهذا التحول أخطر بكثير من مجرد الحرب؛ لأن الحروب تنتهي عادة باتفاق سياسي، أما تفكك مفهوم الدولة نفسه فيعني انهيار العقد الوطني الجامع، وتحول البلاد إلى كيانات متنازعة لا يجمعها مشروع سيادي موحد.
من أزمة سلطة إلى انهيار فكرة الوطن
المأساة اليمنية لم تعد تتعلق فقط بمن يحكم، بل بالسؤال الأكثر خطورة:
هل ما يزال اليمنيون يمتلكون تصورًا موحدًا عن شكل وطنهم القادم؟
فعلى مدى سنوات الحرب، لم تتآكل مؤسسات الدولة فقط، بل تآكل أيضًا الشعور الوطني الجامع.
وتحوّل الانتماء تدريجيًا من "الوطن الكبير" إلى الهويات الصغيرة:
المنطقة، الطائفة، القبيلة، الجماعة المسلحة، أو القوة التي توفر الحماية والراتب والنفوذ.
وهنا تكمن الكارثة التاريخية الحقيقية.
فالدول لا تنهار فقط حين تسقط العواصم أو تتفكك الجيوش، بل حين يفقد الناس إيمانهم بفكرة الوطن المشترك.
وحين يصل المواطن إلى مرحلة يشعر فيها أن نجاته الفردية أهم من بقاء الدولة نفسها، يصبح المجتمع كله مهددًا بالدخول في دورة طويلة من التفكك يصعب الخروج منها.
مأساة هادي… ومأساة الجمهورية
قد يختلف اليمنيون كثيرًا حول تقييم تجربة عبد ربه منصور هادي.
هناك من يراه، وأنا منهم، رئيسًا ضعيفًا، ارتكب أخطاء استراتيجية قاتلة، وفشل في إدارة المرحلة الانتقالية، وسمح بانهيار مؤسسات الدولة.
وهناك من يعتبره ضحية توازنات مستحيلة، ورجلاً وجد نفسه في قلب عاصفة إقليمية ودولية أكبر بكثير من قدرته وأدواته.
لكن بعيدًا عن الجدل السياسي، يبقى الثابت أن هادي كان آخر رئيس يمني حافظ، ولو شكليًا، على فكرة الشرعية الدستورية التقليدية.
بعده، دخل اليمن عصر المجالس وانتهاك الدستور:
مجلس القيادة، المجالس العسكرية، السلطات المحلية المسلحة، المليشيات العقائدية، والقوى العابرة لفكرة الدولة نفسها.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية:
أن الجمهورية اليمنية التي قامت أصلاً ضد حكم الإمامة والاستبداد، انتهت عمليًا إلى واقع تتعدد فيه مراكز السلطة، ويتراجع فيه معنى الدولة لصالح القوة المسلحة والنفوذ الخارجي.
كيف خسر اليمن دولته؟
السؤال الذي يفرض نفسه بعد رحيل هادي ليس متعلقًا بالرجل فقط، بل باليمن كله:
كيف انهارت الجمهورية اليمنية بهذه السرعة؟
الإجابة ليست بسيطة، لأن ما حدث كان نتيجة تراكمات طويلة:
أولاً: فشل بناء الدولة منذ الوحدة
منذ تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، لم تنجح النخب السياسية في بناء مؤسسات وطنية قوية تتجاوز الولاءات المناطقية والطائفية والقبلية والعسكرية.
فظلت الدولة هشة، معتمدة على توازنات القوة لا على حكم المؤسسات.
ثانيًا: عسكرة السياسة
تحولت السياسة اليمنية تدريجيًا إلى صراع مراكز نفوذ عسكرية وقبلية، حتى أصبح السلاح هو الضامن الحقيقي للسلطة، لا الدستور.
ثالثًا: الانقسام الإقليمي
أصبح اليمن ساحة صراع نفوذ إقليمي مباشر، ما أفقد القرار الوطني استقلاليته، وربط مصير الدولة اليمنية بحسابات خارجية متضاربة.
رابعًا: صعود المليشيات العقائدية
أدى صعود الحوثيين والإخوان المسلمين والسلفيين بوصفهم قوى عقائدية مسلحة إلى تغيير طبيعة الصراع من أزمة سياسية قابلة للتسوية إلى مشاريع صدام بنيوي مع الدولة الجمهورية نفسها.
خامسًا: انهيار المشروع الوطني الجامع
لم يعد لدى اليمنيين مشروع وطني موحد يجمع الشمال والجنوب والشرق والغرب، أو القبيلة والمدينة، أو القوى السياسية المختلفة، فتحول الانتماء إلى الهويات الصغيرة بدل الهوية الوطنية الجامعة.
هل ماتت الجمهورية اليمنية فعلاً؟
ربما يبدو المشهد قاتمًا إلى حد يدفع كثيرين للاعتقاد أن الجمهورية اليمنية انتهت فعلاً، لكن التاريخ يخبرنا أن الدول لا تموت بسهولة كما يظن الناس.
فالأوطان قد تمرض، وقد تنهار مؤسساتها، وقد تُستنزف بالحروب، لكن فكرة الدولة تظل كامنة داخل الوعي الجمعي للشعوب، تنتظر اللحظة التي تعود فيها الحاجة إليها من جديد.
واليمن، بالرغم من كل ما جرى، ما يزال يمتلك عناصر البقاء:
• مجتمعًا شابًا واسعًا،
• وذاكرة تاريخية عميقة،
• ونخبًا ثقافية وفكرية شابة وحية، بعيدًا عن النخب الفاسدة التي تعتلي السلطة اليوم.
• وإرثًا جمهوريًا ما يزال حاضرًا في وجدان قطاعات واسعة من اليمنيين.
ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي:
هل انتهت الجمهورية؟
بل:
هل يستطيع اليمنيون إنتاج جمهورية جديدة أكثر عدالة وحداثة وقدرة على البقاء؟
اليمن اليوم… دولة مؤجلة
اليمن اليوم لا يعيش مجرد أزمة حكم، بل أزمة وجود دولة.
فالمواطن اليمني لم يعد يسأل:
من الرئيس؟
بل أصبح يسأل:
أين الدولة أصلاً؟
وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي أمة.
لأن انهيار الدولة لا يعني فقط غياب الخدمات أو الأمن، بل يعني انهيار المرجعية الوطنية المشتركة التي تنظم حياة الناس وتحمي فكرة الوطن نفسها.
ولهذا قد ينظر التاريخ إلى عبد ربه منصور هادي ليس باعتباره رئيسًا انتقاليًا فشل في مهمته فقط، بل باعتباره آخر رئيس وقف على حافة انهيار الجمهورية اليمنية، وشهد لحظة تحول اليمن من دولة مأزومة إلى وطن ممزق بين المشاريع والسلاح والنفوذ الخارجي.
ما بعد هادي… وما بعد الحرب
برحيل عبد ربه منصور هادي، تنتهي فعليًا آخر صفحة من مرحلة "الشرعية التقليدية" التي عرفها اليمن منذ قيام الجمهورية.
لكن ما بعد هادي لا يتعلق بشخص الرئيس بقدر ما يتعلق بالسؤال الأكبر:
كيف يمكن إعادة بناء الدولة اليمنية بعد كل هذا الانهيار؟
الإجابة لن تكون عسكرية فقط، ولا سياسية فقط، بل حضارية أيضًا.
فاليمن لا يحتاج إلى وقف حرب فحسب، بل يحتاج إلى:
• إعادة بناء الثقة الوطنية،
• واستعادة فكرة المواطنة،
• وإحياء مؤسسات الدولة،
• وإنتاج نخبة جديدة شفافة تؤمن بالدولة لا بالغنيمة،
• وبالوطن لا بالمحاور الخارجية.
وهذه المهمة أصعب بكثير من أي معركة عسكرية.
لأن بناء الجيوش أسهل من بناء الثقة، وبناء السلطة أسهل من بناء الدولة، أما بناء الوطن، فهو المشروع الأصعب في تاريخ الشعوب.
الخلاصة:
الحنين إلى الدولة
ربما لم يكن عبد ربه منصور هادي آخر رؤساء اليمن فقط، بل آخر شاهدٍ على زمنٍ كان اليمنيون يختلفون فيه داخل دولة واحدة، قبل أن يصبحوا شعوبًا صغيرة تتنازع فوق أنقاضها.
وربما تكون المفارقة القاسية أن اليمنيين الذين اختلفوا طويلاً حول السلطة، باتوا اليوم يحنّون إلى مجرد "فكرة الدولة" نفسها:
دولة واحدة، وجيش واحد، وقانون واحد، وسيادة واحدة.
ففي زمن الانهيار الكبير، يصبح الحنين إلى الدولة حلمًا وطنيًا، لا مجرد مطلب سياسي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي سيواجه اليمن في السنوات القادمة لن يكون: من سيحكم؟ بل: كيف يمكن إعادة اختراع الدولة نفسها، قبل أن يتحول الانهيار المؤقت إلى مصير دائم؟ ذلك هو السؤال الذي تركه اليمن معلقًا بين أنقاض الحرب، وبين الأمل البعيد في ولادة وطن جديد.


