: آخر تحديث

والظلم من شيم النفوس

1
1
1

المشكلة هي أن الرسالة شيء، والتطبيق شيء آخر. فكثيرون يعرفون الحق، لكنهم لا يلتزمون به، بسبب الطمع، أو الخوف، أو حب السلطة، أو التعصب.

ولو تتبعنا تواريخ جميع الأباطرة الذين اشتهروا في التاريخ بالقتل الجماعي والتوحش والهمجية لوجدنا أنهم جميعًا مفوهون، يجيدون تدبيج الكلام المنمق الجميل عن الخير والعدالة والمساواة والنزاهة والشرف والضمير.

ولو كان يمكن منع الظلم بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، فقط، لوجدنا لحكماء البشرية والمصلحين والمناضلين من أجل نشر الفضيلة والخير والعدالة تماثيل تملأ الشوارع والميادين في جميع مدن العالم الواسع، ولما عثرنا على تمثال واحد لحاكم قاتل وشرير.

المئات بل الآلاف من الكتاب المتنورين المتحررين من عبودية الطائفة والقبيلة والمدينة يكتبون منذ عشرات السنين، عن العدل والحق والفضيلة، لم يتمكنوا من تحويل وضيع إلى شريف، وشيطان إلى ملاك، وظالم إلى عادل، ومختلس إلى أمين.

فالمقصلة والخازوق، منذ أن تعلمت البشرية كتابة التاريخ، كانا من حصة المعلم والفيلسوف والنبي والحكيم.

والحق كان لصاحب السيف والخنجر والسكين، ثم أصبح اليوم من حق مالك المفخخة والطائرة المسيَّرة، وقائد الميليشيا، ومُمول القتلة، ومسلح الانتحاريين، ومدرب الإرهابيين، ولا عقاب ولا حساب.

والشيء بالشيء يذكر. فقد شاءت مساوئ الصدف أن اجتمعنا ذات مرة بوزير من وزراء الزمن العراقي المر، فتطرق الحديث معه إلى المعارضة وبياناتها وأخبارها، ومقالات كتابها التي تتحدث عن المخالفات والجرائم التي يرتكبها أصحاب السلطة، فردَّ بعجالة، ودون أن يتروى، قائلاً: "أنا لا أقرأ ولا أسمع ولا أتكلم، لا تشغلوني بهذه الترّهات".

والحقيقة أن هذا الوزير لم يأتِ بجديد. فمنذ بدء الحضارة البشرية كان هناك حاكم ومحكوم، ظالم ومظلوم، سارق ومسروق. وأسوأ حاكم هو الذي لا يسمع إلا صوته، ولا يرى إلا رأيه، والأشد سوءًا هو من يضع في بطانته أشطر وُعّاظ السلاطين الذين يجمّلون له قبحه، ويُحلون له حرامَه، وهم يعلمون.

ومنذ قديم العصور كان الشغل الشاغل للمفكرين والفلاسفة والأنبياء ودعاة اللاعنف أن يغسلوا أدمغة البشر من أمراض الأنانية وجنون التملك، وأن يمنعوا استعباد القوي للضعيف، والغني للفقير، والرجل للمرأة، والكبير للصغير.

ثم، بالمقابل نشأت لصدّهم ومنع انتشار أفكارهم جبهات ومنظمات ومؤسسات يقودها ويمولها متنفذون وحكام وبِطانات ومَوالٍ بهدف إبقاء الحال على حاله.

فمن المَلك العادل حمورابي، إلى المئات من الفلاسفة والكتاب والمصلحين الذين جاؤوا بعده وساروا على هديه، كان الجهاد قائمًا من أجل تحقيق العدالة، وتثبيت حدودها، وبيان حقوق الإنسان، وواجبات الحكومات والحاكمين.

وصولاً إلى سقراط الذي صاح في القرن الخامس قبل الميلاد "أيها الإنسان اعرف نفسك". فقد أراد خدمة قومِه فقتلَه قومُه لأنه نادى بضرورة وجود شريعة أخلاقية أبدية.

ثم جاء بعده تلميذه أفلاطون فعاش ومات وهو يبحث عن الحكومة العادلة التي قال إنها لا تأتي عفوًا، ولا بد لها من التمهيد والتربية والتعليم.

ثم كونفوشيوس الذي أقام فلسفته على القيم الأخلاقية، واشترط أن تكون الحكومة خادمة لشعبها.

ثم زرادشت وبوذا. ثم من جاء في عصرنا الحديث من فلاسفة وعلماء ومفكرين وعبقريات إنسانية لم تتوقف عن الوعظ والتنوير دون جدوى. فكل هذه القامات العملاقة لم تخلق حكومة عادلة واحدة، ولم تمنع واحدًا من أصحاب الرؤوس الفارغة والقلوب الخالية من الرحمة والعدل والفضيلة من أن يصبحوا قادة وزعماء.

أما ولد فلاديمير بوتين، مثلاً، في ظلال الماركسية وقضى ثلثين من عمره في دراسة رسالتها التي قامت على التبشير بسلطة الكادحين والعمال والفقراء؟ إذن كيف لم يعرق جبينه ولم يرق قلبه وهو يرسل العشرات من طائراته لترمي قنابلها الحارقة على مواطنين أوكرانيين، ومواطنين سوريين معارضين لنظام لا يقتل غير الكادحين والعمال والفقراء الذين من بينهم مناضلون رفاقٌ له في الماركسية لم يفعلوا شيئًا سوى أنهم رفضوا الدكتاتورية والفساد والطائفية، وطالبوا بالحرية والعدل والسلام؟

شيء آخر. ألم يتفقّه الإمام علي خامنئي بحضارة الفرس العظيمة التي قامت على مبادئ زرادشت وتعاليمه؟ ثم ألم يدرس ويتعمق ويتبحـر، كما يزعم ويدّعي، في قيم ثورة الإمام الحسين على الظلم والظالمين وأهدافها؟ إذن كيف ينام ليله بعد أن يكون قد أمر حرسه الثوري وقادة ميليشياته العراقيين واللبنانيين واليمنيين بأن يغتالوا ويَقتلوا ويُهجّروا ويغتصِبوا وينهبوا؟ ألا يؤرقه أنين ضحاياه ومنهم إخوة له في المذهب الواحد والعقيدة الواحدة؟

وفكر ميشيل عفلق الذي قام على بعث الأمة، وتحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية، هل ردع حافظ أسد، ثم ولده بشار، وصدام حسين عن الخنق والشنق والحرق والتذويب بحمض الكبريتيك والأسيد والتيزاب، والإكثار من المقابر الجماعية التي ما لا عدد منها لم يُكتشف إلى الآن؟

سؤال آخر. هل صحيح أن العالم الغربي الديمقراطي المتحضر لا يعرف ما كان يجري في سوريا الأسد وعراق صدام، ولبنان حسن نصر الله، ويمن الحوثي؟ أم إنه كان يرى ويسمع ويقرأ ثم لا يتكلم؟

وهل إن حكومات عصر السياحة في الفضاء لم تكن ترى في دكتاتوريات القرن الحادي والعشرين ودواعشه وحشوده الشعبية ما يهدد الأمن البشري، ويصادر حقوق الإنسان؟

وهل صحيح أنها لا تعرف من يموّل الإرهاب، ومن يسلّحه، ومن يؤويه، ومن يتستر على قادته القتلة والجزارين؟

أمّا نحن، فلن نملّ ولن نكلّ، وسنبقى نكتب لهم، جميعًا، وإن كانوا لا يقرأون.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.