: آخر تحديث

جامعة حفر الباطن: لماذا تتسرّب الفرص خارج أسوارها؟

2
2
3

في الوقت الذي بدأت فيه بعض الشركات والكليات الأهلية تعقد شراكات مع جامعات خارج محافظة حفر الباطن لتقديم دبلومات صحية وتقنية ومهنية، يبرز سؤال منطقي يفرض نفسه دون مبالغة أو انفعال: كيف تتجه هذه الجهات إلى الخارج بحثًا عن التعاون الأكاديمي، بينما توجد داخل المحافظة جامعة تمتلك أصلاً تخصصات صحية وتقنية، ولا سيما في التمريض وهندسة الحاسب، إضافة إلى إمكانات بشرية وأكاديمية يُفترض أنها قادرة على صناعة حضور تعليمي وتنموي أكثر اتساعًا وتأثيرًا؟

القضية لا تبدو مرتبطة بغياب البرامج أو نقص التخصصات، فهذه التخصصات موجودة بالفعل، لكن الملاحظة التي تستحق التوقف طويلاً تتمثل في طبيعة العلاقة بين الجامعة والمجتمع والسوق؛ لأن الجامعة الحديثة لم تعد مجرد مؤسسة تمنح شهادات أكاديمية داخل القاعات الدراسية، وإنما أصبحت شريكًا مباشرًا في التنمية، يتحرك نحو القطاعات المختلفة، ويبحث عن الفرص، ويصنع شراكات تدريبية ومهنية، ويقدم حلولاً مرنة تتوافق مع احتياجات السوق المتغيرة، ولذلك حين تتجه المؤسسات التعليمية أو الشركات إلى جامعات خارج المحافظة، فإن ذلك يكشف بصورة غير مباشرة عن وجود فجوة تحتاج إلى قراءة هادئة وعميقة.

المشهد اليوم تغيّر كثيرًا، فالقطاع الصحي يشهد توسعًا متسارعًا، والوظائف التقنية أصبحت من أكثر المجالات نموًا، ورؤية المملكة العربية السعودية 2030 دفعت باتجاه بناء اقتصاد قائم على المعرفة والكفاءة والتأهيل النوعي، ولذلك فإن وجود جامعة داخل المحافظة يُفترض أن يتحول إلى نقطة حضور فاعلة في صناعة الفرص، لا مجرد مؤسسة تؤدي دورها الأكاديمي التقليدي فحسب؛ لأن المجتمع لا ينتظر من الجامعة تخريج الطلاب فقط، وإنما ينتظر منها أن تكون جزءًا من الحراك التنموي، وأن تمتلك القدرة على بناء شراكات مهنية وتدريبية تجعلها الخيار الأول للقطاعين العام والخاص.

وربما لا تكمن المشكلة في الإمكانات بقدر ما تكمن في آلية التفاعل مع السوق؛ لأن كثيرًا من الجامعات اليوم أصبحت تتحرك بعقلية أكثر انفتاحًا، تدخل في تفاصيل الاحتياج المهني، وتبادر بعقد البرامج المشتركة، وتطرح دبلومات مرنة، وتعمل على استقطاب القطاعات المختلفة قبل أن تبحث تلك القطاعات عن بدائل أخرى خارج نطاقها، بينما أي حالة من البطء أو الاكتفاء بالأدوار التقليدية تجعل الفرص تذهب تدريجيًا إلى جهات أخرى أكثر قدرة على الحركة والتواصل والتسويق الأكاديمي.

ولهذا فإن جوهر القضية لا يكمن في اتجاه تلك الجهات نحو جامعات أخرى، بقدر ما يكمن في الكيفية التي تستطيع بها جامعة حفر الباطن أن تعزز حضورها كشريك تنموي وتعليمي أكثر قربًا من احتياجات المجتمع والسوق، وأكثر قدرة على استثمار ما تملكه من تخصصات وكفاءات، بحيث تصبح المحافظة بيئة مكتفية بقدراتها، وقادرة على صناعة الفرص التعليمية والمهنية من داخلها، بدل أن تظل مترقبة لما يأتيها من الخارج.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.