: آخر تحديث

اتفاقيات أبراهام بعد غزة

2
2
2

كشف آخر نداء وجّهه دونالد ترامب من أجل توسيع اتفاقيات أبراهام توسيعًا شاملاً، من حيث لم يقصد، عن حقيقة استراتيجية أعمق: فهذه الاتفاقيات لا تتوسع انطلاقًا من موقع ثقة، بل يُعاد إحياؤها خطابيًا في اللحظة ذاتها التي يتراجع فيها منطقها الجوهري.

كانت المقدمات الأصلية لاتفاقيات أبراهام تستند إلى افتراض إقليمي بعينه، مفاده أن الملكيات الخليجية ستُرسّخ تدريجيًا انتماءها داخل منظومة أمنية أميركية-إسرائيلية موجّهة أساسًا ضد إيران. وكان المفترض أن يُنتج التكامل الاقتصادي والتعاون الاستخباراتي والتبادل التكنولوجي والعداء المشترك تجاه طهران، مجتمعةً، نظامًا إقليميًا جديدًا تُدار فيه القضية الفلسطينية أو تُؤجَّل أو تُختزل إلى شأن ثانوي.

غير أن هذا الافتراض بات يبدو اليوم هشًّا على نحو متزايد.

يشير المشهد الإقليمي الناشئ في أعقاب المواجهة مع إيران إلى الاتجاه المعاكس تمامًا؛ إذ تدرك دول الخليج بصورة متصاعدة أن بقاءها على المدى البعيد لا يتحقق عبر سياسة الكتل الجامدة، بل من خلال التنويع والتحوط والمرونة الاستراتيجية. ويتآكل الإطار القديم للتوافق المستدام ضد إيران، ليس لأن عواصم الخليج قد احتضنت طهران، بل لأنها لم تعد تثق في المواجهة ذاتها بوصفها مبدأً تنظيميًا مستدامًا للمنطقة.

بهذا المعنى، فإن اتفاقيات أبراهام ميتة فعليًا، وقد أدّت إسرائيل ذاتها دورًا محوريًا في إنتاج هذه النتيجة. لقد حطّمت غزة الوعد المركزي الذي جعل التطبيع مقبولاً سياسيًا لدى كثير من النخب الإقليمية: وهو الاعتقاد بأن التعاون الاقتصادي والشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل يمكن أن يُفصلا إلى أجل غير مسمى عن القضية الفلسطينية وعن التداعيات الأوسع للسلوك العسكري الإسرائيلي. بيد أن هذا الانهيار لم يكن مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل نبع من الافتراض الاستراتيجي الكامن في صميم السياسة الإسرائيلية، وهو أن التكامل الإقليمي يمكن أن يتعمق بينما تُمحى الآفاق السياسية الفلسطينية تدريجيًا. وكلما تقدّم التطبيع دون تحقيق أي تقدم ملموس نحو السيادة الفلسطينية، تراكمت التناقضات أكثر فأكثر تحت سطح هذه الاتفاقيات.

وبعد غزة، باتت تلك التناقضات مستعصية على الاحتواء.

لقد حوّل حجم الدمار التطبيعَ من حسابٍ دبلوماسي مُدار بعناية إلى مصدر للمسؤولية السياسية المتنامية في العالم العربي والإسلامي. وما كان يُقدَّم باعتباره مشروعًا للتحديث البراغماتي بدا يتحوّل بصورة متصاعدة إلى مشاركة في نظام إقليمي عاجز عن وضع أي حد فعلي للسلطة الإسرائيلية. وقد ثبت أن الافتراض القائل بإمكانية تعميق التطبيع في حين تتردى الأوضاع الفلسطينية لم يكن قابلاً للاستمرار على صعيد الشرعية والرمزية والإدراك العام.

تنبثق الدعوات المتصاعدة لعزل إسرائيل دوليًا من هذا الانهيار الأشمل للشرعية. فعلى امتداد المنطقة وما يتخطى حدودها بصورة متزايدة، لم تعد إسرائيل تُنظر إليها بوصفها مجرد دولة منخرطة في نزاعات متقطعة، بل باتت تُتَّهم بارتكاب دمار إبادي في غزة، في حين تواصل توسيع عملياتها العسكرية عبر المنطقة، شاملةً جنوب لبنان والتصعيد العسكري الإقليمي الأوسع المتصل بإيران. وقد حذّر خبراء أمميون متعددون وهيئات حقوق الإنسان الدولية من أن جوانب من هذه الحملات في غزة ولبنان قد ترقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، فيما امتدت الانتقادات الموجهة للسلوك الإسرائيلي لتتخطى دوائر الحكومات والناشطين وتصل إلى المؤسسات القانونية والدبلوماسية الأرحب. وعليه، فإن الحجة التي يتقدم بها المنتقدون لم تعد تقتصر على المطالبة بانتقاد السياسة الإسرائيلية، بل تذهب إلى أن دولة تعمل في ظل إفلات هيكلي من العقاب ينبغي أن تواجه أشكالاً من العزل الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي، مماثلة لتلك التي وُجِّهت تاريخيًا نحو دول أخرى اتُّهمت بارتكاب انتهاكات منهجية للقانون الدولي.

لهذا السبب بالذات حملت استجابة المملكة العربية السعودية لمقترح ترامب هذا الثقل البالغ. فالرياض لم ترفض التطبيع الفوري فحسب، بل أعادت مسألة الدولة الفلسطينية إلى قلب المعادلة الدبلوماسية، وأشارت إلى أن الثمن السياسي لتجاوز القضية الفلسطينية قد ارتفع ارتفاعًا حادًا. وقد اكتسب هذا الموقف أهميته لا لأنه مثّل قطيعة مع واشنطن، بل لأنه عكس إعادة معايرة إقليمية أشمل كانت قد بدأت فعلاً.

قد تستمر العلاقات الرسمية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. ومن غير المرجح أن تختفي القنوات الاستخباراتية، كما لن يتلاشى التعاون التجاري والتكنولوجي بين عشية وضحاها. غير أن الاستمرارية على مستوى الآلة الحكومية لا ينبغي أن تُحمل على أنها زخم أيديولوجي. فقد تنجو هذه الاتفاقيات من الناحية الإدارية، لكنها ستفقد الرواية الإقليمية التي منحتها في يوم ما معناها الاستراتيجي.

تبقى الإمارات العربية المتحدة الاختبار الأجلى لهذا التحول. فقد استثمرت أبوظبي استثمارًا كبيرًا في قناعة مفادها أن القرب من القدرة التكنولوجية الإسرائيلية والشبكات الاستخباراتية والنفوذ في واشنطن سيعزز الاستقلالية الاستراتيجية الإماراتية ويكفل الميزة الإقليمية على المدى البعيد. وقد بدا ذلك الحساب معقولاً لفترة من الزمن. إلا أن المناخ الإقليمي تحوّل تحولاً عميقًا منذ عام 2020؛ فما كان يبدو لبعض نخب الخليج سياسة براغماتية بامتياز، بات يزداد خطر الظهور، أمام جمهور إقليمي أوسع، كانكشاف استراتيجي مفرط مرتبط بنظام إقليمي آخذ في التدهور.

لذا يبدو محاولة ترامب إحياء اتفاقيات أبراهام أشبه بمسعى للحفاظ على لغة التحول الإقليمي بعد أن بدأ الإيمان بذلك التحول يتآكل، لا استمرارًا لمشروع جيوسياسي في ذروة صعوده. الاتفاقيات لا تزال موقَّعة، والسفارات لا تزال مفتوحة، ومسارات التجارة لا تزال تعمل. لكن المخيال السياسي الذي كان يُمسك بهذا المشروع لم يعد يتمتع بالسلطة الرمزية ذاتها التي كان يحظى بها قبل سنوات قليلة مضت.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.