: آخر تحديث

وزارات التعليم في زمن الذكاء الاصطناعي: هل تملك مشروعًا أم تشغّل نظامًا؟

2
2
2

في زمنٍ يدخل فيه الذكاء الاصطناعي كل حياة الطالب، لم يَعُد السؤال الأخطر عن الأدوات، وإنما عن الغاية: هل تقود وزارات التعليم مشروعًا لصناعة إنسان المستقبل، أم تكتفي بتشغيل نظامٍ ورثته؟

هناك لحظة نادرة في تاريخ التعليم عالميًا لا يكفي فيها أن تطور الأدوات، أو تزيد المنصات، أو تحسن الاختبارات. في هذه اللحظة يصبح السؤال أكبر من الإدارة اليومية، وأقرب إلى سؤال المصير: هل تقود وزارات التعليم مشروعًا محليًا لصناعة إنسان المستقبل، أم تكتفي بتشغيل أنظمة تعليمية ورثتها من زمن سابق؟

هذا السؤال لا يُحصر في وزارات تعليم دولة بعينها. إنه سؤال كل مجتمع يريد أن يدخل عصر الذكاء الاصطناعي (AI) من موقع الفاعل، لا من موقع المتلقي.

صاحب المشروع لا يدير نشاطًا عابرًا؛ إنه يحمل تصورًا لغاية أكبر من تفاصيل اليوم. فالآباء، مثلاً، ليسوا مشغّلي بيتٍ فحسب؛ هم أصحاب مشروع في تنشئة أبنائهم تنشئةً صالحة، وغرس القيم والأخلاق، وبناء شخصية سوية داخل أسرة مستقرة. والدولة كذلك أكبر من جهاز خدمات؛ فهي صاحبة مشروع في بناء مواطن صالح، وعنصر منتج، ولبنةٍ واعية في بناء الوطن، ينعم بجودة حياة تحفظ كرامته وتفتح قدرته على المشاركة. ومن أجل ذلك تمنح الدولة مؤسساتها ووزاراتها الصلاحيات والموارد، لا لتُشغّل الخدمات وحسب، وإنما لتبلغ غايةً محلية أوسع.

ومن هنا يقترب السؤال من التعليم: هل هو نظام قائم تُدار أعماله اليومية بكفاءة ويُحدَّث باستمرار، أم مشروع طويل يُراجع كلما تغير الزمن، ويُعاد تصميمه حين يعجز عن صياغة الإنسان الذي ستقوم عليه الأسرة والدولة والمجتمع في المستقبل؟

في لندن، يجتمع وزراء التعليم وقادة السياسات التعليمية في منتدى التعليم العالمي (Education World Forum) لعام 2026. يحمل المنتدى عنوانًا يتحدث عن السلام والكوكب والغاية والمسارات، في سياق عالمي يتغير بسرعة سياسية واقتصادية وتقنية غير مسبوقة. وفي المدينة نفسها، تعرض شركات التعليم في معارض مثل بت (Bett) أحدث ما وصلت إليه تقنيات التعليم. وقد واظبتُ على حضور معرض بت قرابة ثلاثين عامًا، شاهدًا ومراقبًا لمنحنى التطور التقني واتجاهه، وكان إلى وقتٍ قريب يتزامن مع منتدى وزراء التعليم زمانًا ومكانًا؛ فتلتقي في لندن، وفي الأيام ذاتها، أدواتُ التعليم وسياساتُه. وما شدّني مؤخرًا أنّ المنحنى انفصل عن اتجاهه؛ فالذكاء الاصطناعي لم يُحسِّن المسار الذي عرفناه طوال هذه السنوات، وإنما فتح مسارًا آخر ومنحنى جديدًا لا تربطه بتطوير التعليم القائم صلةٌ حقيقية. ولم يَعُد السؤال كيف نمضي خطوةً أخرى على المنحنى نفسه؛ السؤال صار: هل ما زال هذا المنحنى هو الطريق؟

وما يجري في لندن ليس حدثًا معزولًا. فالعالم يدور حول السؤال نفسه: "بوصلة التعلّم 2030" (Learning Compass 2030) لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تميّز بين طالبٍ يُشكّل المستقبل وآخر يكتفي بالتكيّف معه، وتقرير اليونسكو (UNESCO) الأخير عن الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم (AI and the Future of Education) يحذّر من معاملته أداةَ أتمتةٍ لنظامٍ قديم، بدل أن يكون مُحفِّزًا لإعادة التفكير في الغاية.

السؤال إذًا عالميّ. لكنّ الإجابة عنه تبقى محلية.

منصات ذكية، أدوات تحليل، أنظمة تخصيص، وحلول إدارة تعلم تتطور بسرعة كبيرة. لكن وسط كل هذا الزخم، يبقى السؤال الأهم أبسط مما يبدو: هل تملك مشروعًا تربويًا يقود التقنية، أم تسمح للتقنية أن تقود التعليم من دون تصور إنساني واضح؟

ليست القضية أن يدخل الذكاء الاصطناعي إلى التعليم. هذا أصبح أمرًا واقعًا بالفعل.

القضية الحقيقية: من الذي يحدد معنى دخوله؟

إذا دخل بوصفه أداة لتسريع الاختبار، أو تحسين المتابعة، أو تقليل العبء الإداري، فسوف يظل خادمًا لنظام قديم. أما إذا دخل ضمن مشروع واضح لبناء الإنسان، فسيتحول إلى قوة تساعد المدرسة على فهم الطالب، وتساعد المعلم على رؤية الفروق، وتساعد الدولة على التخطيط لأجيال لا لسنة دراسية واحدة.

هنا يظهر الفرق بين صاحب المشروع ومشغل النظام.

صاحب المشروع يبدأ من سؤال: أي إنسان نريد أن يتخرج بعد خمسة عشر عامًا أو أكثر؟

أما مشغل النظام فيبدأ من سؤال مختلف تمامًا: كيف نجعل النظام الحالي أسرع وأسهل وأقل تكلفة؟

الفرق بين السؤالين هو الفرق بين من يصمم المستقبل، ومن يدير الماضي بكفاءة أعلى.

وهذا لا ينتقص من صدق الجهد؛ ففي ميدان التعليم نوايا مخلصة وعملٌ كثير. لكنّ الفرق الأعمق ليس في الطموح وحده، إنه في المساءلة.

وقد ينزلق منطق التشغيل إلى أن يتموضع صاحبُه حسب المصلحة: فإذا اقتُرب من مجاله رآه أولى بالقرار من سواه، وإذا سُئل عن مخرجاته — مدى ملاءمتها لسوق العمل، وما قد يتّصل بها من ضغوطٍ على فرص الشباب — مال إلى أن يقول إنّ النتائج خارج مسؤوليته، وإنّ مهمّته تشغيل النظام.

سلطةٌ تُطلب، وتبعةٌ تُنكَر، ومجالٌ يُحصَّن من السؤال — تلك علامة منطق التشغيل حين يغلب.

أما صاحب المشروع فيقبل أن يُحاكَم بأثره البعيد، لا بحركته القريبة. لا يقيس نفسه بعدد من نقلهم من صفٍّ إلى صف، بل بقدرة خرّيجه على أن يعمل، وأن يتعلّم من جديد، وأن يُسهم في وطنه.

فالملكية، في جوهرها، مسؤوليةٌ عن النتيجة، لا احتكارٌ للمجال.

التعليم لا ينتج نتائج فورية مثل كثير من القطاعات. أثر المنهج، والمعلم، والبيئة المدرسية، وطريقة التقويم، يظهر بعد سنوات طويلة في الجامعة، وسوق العمل، والأسرة، والإدارة العامة، وحتى في الثقافة المدنية للمجتمع. لهذا لا يصح أن يُقاس التعليم فقط بعدد المبادرات، أو بسرعة إطلاق المنصات، أو بحجم الإنفاق على التقنية.

المعيار الأعمق هو قدرة النظام على بناء إنسان يفهم عصره، ويتعلم من جديد، ويحكم على الأدوات بدل أن يخضع لها.

الذكاء الاصطناعي لا يصنع كل الخلل في التعليم. لكنه يكشف خللًا قديمًا كان موجودًا أصلاً.

لقد بُنيت أنظمة كثيرة على فكرة واحدة تقريبًا: طالب متوسط، فصل ثابت، منهج موحد، اختبار نهائي، وشهادة في نهاية الطريق.

هذا المنطق كان ممكنًا في زمن أبطأ.

أما اليوم، فالمعرفة تتغير بسرعة، والمهارات تتقادم بسرعة، والطالب يعيش في عالم يتعلم منه خارج المدرسة بقدر ما يتعلم داخلها. ولهذا لم يعد السؤال: ماذا يعرف الطالب اليوم؟

السؤال الأهم: هل يستطيع أن يتعلم غدًا؟

من هنا تصبح مواصفات الخريج أهم من شكل الجدول الدراسي. فالطالب الذي نحتاجه ليس مجرد حافظ لمحتوى، ولا مستخدم جيد لأداة رقمية، ولا صاحب شهادة عالية فقط.

الطالب الذي نحتاجه هو إنسان يستطيع أن يربط المعرفة بالحياة، ويميز بين المعلومة والحكم، ويفهم أثر التقنية في الإنسان، ويملك القدرة على التعلم المستمر حين تتغير الأدوات والأسواق والمجتمعات.

والخطر الأعمق ليس أن يتخرج طالب أقل مهارة من أدوات عصره.

الخطر أن يتخرج جيل كامل، ثم يتقدم مع الزمن إلى مواقع القيادة، وهو غير قادر على بناء تصور تراكمي للتطور.

والتصور التراكمي هنا مهم جدًا.

أن يفهم القائد القادم كيف تتغير التقنية، وكيف تتغير معها المعرفة، وكيف تتغير معها متطلبات الإنسان والدولة والعمل والثقافة.

إذا غاب هذا التصور، تتحول المشكلة إلى حلقة تاريخية مستمرة. نظام قديم يخرج جيلًا لا يملك القدرة الكافية على استبداله، ثم يستلم هذا الجيل زمام القيادة والقرار، فيعيد تشغيل النظام نفسه بأدوات أحدث.

تبدو الأدوات جديدة. لكن طريقة التفكير القديمة تبقى كما هي.

عندها تستمر فجوة القدرة على الحكم، ويظل المجتمع يدور داخل منطق التشغيل بدل أن ينتقل إلى منطق التصميم.

هذه الفجوة أخطر من ضعف المهارات وحده. فالمجتمع لا يتأخر فقط لأنه لا يملك أدوات حديثة، بل لأنه لا يملك تصورًا يقوده إلى استخدامها في بناء مرحلة جديدة. وقد تمتلك المؤسسة منصة ذكية، ولوحات بيانات، ومؤشرات أداء. ومع ذلك قد تبقى أسيرة الفكرة القديمة نفسها: نقل الطالب من صف إلى صف، ومن اختبار إلى اختبار، ومن شهادة إلى شهادة.

المشكلة أعمق من ذلك.

يحدث هذا حين لا تسأل المؤسسة بوضوح عن نوع الإنسان الذي يتكون في نهاية الرحلة.

لهذا السبب، لا تكفي رقمنة التعليم إذا ظلت الرقمنة تعمل داخل المنطق القديم. تحويل الكتاب إلى شاشة لا يصنع تعليمًا جديدًا. وتحويل الاختبار إلى منصة لا يصنع طالبًا أعمق فهمًا. وإضافة أداة ذكاء اصطناعي إلى الواجبات لا تعني أن المدرسة دخلت المستقبل.

المستقبل يبدأ حين تتغير الأسئلة التي تحكم النظام، لا حين تتغير الواجهة التي نعرض بها النظام.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد التعليم إذا وُضع في مكانه الصحيح. يستطيع أن يقرأ أنماط التعلم، ويكشف التعثر مبكرًا، ويقترح مسارات مختلفة، ويخفف العبء المتكرر عن المعلم، ويمنح صانع القرار صورة أوسع عن الفجوات.

لكنه لا يستطيع وحده أن يقرر: ما معنى العدالة، ولا ما وزن الكرامة، ولا كيف نحمي الطفل من تصنيف مبكر قد يلاحقه طويلًا.

لهذا يجب أن تبقى التقنية تحت حكم تربوي وأخلاقي واضح.

المعلم في هذا التحول لا يصبح أقل أهمية.

على العكس تمامًا، قد يصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.

فكلما زادت قدرة الآلة على إنتاج الإجابات، زادت حاجة الطالب إلى معلم يساعده على بناء السؤال الصحيح. وكلما زادت قدرة المنصة على تتبع الأداء، زادت حاجة المدرسة إلى إنسان يقرأ ما وراء الرقم: الخوف، والفضول، والظرف العائلي، والموهبة الصامتة، والقلق الذي لا يظهر في لوحة البيانات.

صاحب المشروع لا يسأل فقط: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي في الصف؟

بل يسأل أيضًا: كيف نعيد تعريف دور المعلم في زمن الذكاء الاصطناعي؟

فالمعلم لن يكون ناقل معرفة كما كان في السابق، ولن يكون مراقب منصة فقط. المعلم الذي يحتاجه المستقبل هو قائد تعلم، ومفسر للمعنى، وحارس للإنسانية داخل بيئة تزداد فيها قدرة الآلة على القياس والتوجيه والتنبؤ.

ويحتاج الطالب في هذا العالم إلى ملف تعلّم حي، لا إلى سجل درجات جامد. الملف الحي لا يختزل الطالب في نتيجة اختبار، بل يرصد نموه في الفهم، والمهارة، والفضول، والتعاون، والقدرة على حل المشكلات، والاتزان النفسي، والاستعداد للتعلم من جديد.

بهذه الطريقة يصبح التقييم أداة لبناء الطالب، لا ختمًا متأخرًا على نجاحه أو إخفاقه.

لكن ملف التعلم الحي لا يجوز أن يتحول إلى قيد جديد على الطالب. البيانات في التعليم حساسة لأنها تمس صورة الإنسان عن نفسه، وتمس نظرة المؤسسة إليه. لذلك لا بد من حوكمة واضحة للبيانات، تحدد ما الذي يجمع، ولماذا يجمع، ومن يراه، ومتى يمحى، وكيف يُمنع استخدامه ضد الطالب.

فالتعليم الذي يحترم الإنسان لا يقيسه كي يحاصره؛ يقيس منه ما يلزم كي يفتح له طريقًا أعدل.

المدرسة في هذا التصور ليست مبنى يستقبل الطلاب كل صباح فقط. المدرسة تصبح نقطة التقاء ذكية بين المعرفة، والأسرة، والصحة النفسية، والمهارة، والقيم، وسوق العمل، والثقافة العامة.

وحين تعرف الدولة المدرسة بهذا المعنى، لم يَعُد التعليم في نظرها قطاعًا خدميًا منفصلًا، وإنما البنية التي تصنع قدرة المجتمع على فهم نفسه وقيادة مستقبله.

لهذا لا يمكن أن تنجح وزارات التعليم وحدها إذا بقيت باقي المؤسسات خارج المشروع. بناء الإنسان يحتاج إلى شراكة ذكية مع الاقتصاد، والثقافة، والصحة، والعمل، والأمن، والقطاع غير الربحي، والجامعات، والقطاع التقني.

لكن هذه الشراكة لا تعني أن يتنازل التعليم عن فلسفته للسوق.

معناها أن يقود التعليم حوارًا محليًا حول الإنسان الذي يحتاجه المستقبل، ثم يترجم هذا الحوار إلى مناهج وتجارب وتقييمات ومسارات.

هنا يمكن أن نتعلم من التجارب التي بدأت من سؤال المخرج لا من شكل المدرسة. تجربة مثل أسترا نوفا (Astra Nova) نشأت من آد أسترا (Ad Astra) في بيئة سبيس إكس (SpaceX). وتعلن المدرسة أنها تبني تعليمًا يقوم على التفكير من المبادئ الأولى، والاستقلالية، وحل المشكلات التعاوني، وتقديم تحديات ذات معنى للطلاب.

أهمية المثال ليست في نسخه كما هو.

قيمته في منطقه: التصميم يبدأ من الإنسان المطلوب، ثم تُبنى المدرسة حوله.

وقد يُقال: مدرسةٌ صغيرة شيء، ووزارةٌ تتولى ملايين الطلاب شيء آخر. وهذا صحيح. لكنّ المنطق نفسه طُبّق على مستوى محليّ.

سنغافورة، حين رفعت شعار "نُعلّم أقل، ليتعلّموا أكثر" (Teach Less, Learn More)، لم تكن تخفّف المحتوى، بل تعيد ترتيب الغاية: مساحةٌ أوسع للفهم والتفكير، بدل التلقين والتغطية. وفنلندا، حين أعادت تصميم منهجها حول الكفايات لا حول المواد المنفصلة، بدأت من السؤال ذاته: أيّ إنسانٍ نريد؟

القيمة ليست في تقليد التفاصيل؛ إنها في أنّ الدولة الكبيرة تستطيع — حين تريد — أن تبدأ من المخرج المطلوب، لا من شكل النظام الموروث.

ويمكن أيضًا أن نتعلم من التحول الرقمي في الخدمات العامة حين يكون جزءًا من مشروع مؤسسي واضح. منصّة أبشر (Absher) السعودية للخدمات الحكومية مثلاً لم تنجح فقط لأنها نقلت الخدمة إلى شاشة، بل لأنها أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالخدمة نفسها: وقت أقل، وضوح أكبر، ومسار أبسط.

وفي التعليم، نحتاج إلى المعنى نفسه بدرجة أعمق.

لا نريد منصة تعليمية تجعل الطريق القديم أسرع فحسب. نريد مشروعًا يعيد تعريف الطريق نفسه. لا نريد طالبًا يصل إلى نهاية الرحلة أسرع وهو يحمل الضعف ذاته. نريد رحلة تعليمية تكشف قدرته مبكرًا، وتدعم تعثره في وقته، وتفتح له مسارات متعددة، وتعلمه كيف يحكم على المعرفة، وكيف يستخدم التقنية من غير أن يفقد إنسانيته.

الفارق بين التشغيل والتصميم يمكن تلخيصه في سؤال بسيط:

مشغل النظام يسأل: كيف نرفع كفاءة ما نفعله الآن؟

أما صاحب المشروع فيسأل: هل ما نفعله الآن يصلح أصلاً للإنسان الذي نحتاجه غدًا؟

هذا السؤال الثاني هو بداية الإصلاح الحقيقي؛ لأنه لا يكتفي بتحسين الأداء، بل يراجع صلاحية الطريق نفسه.

وهذا لا يقلل من أهمية التشغيل. كل نظام يحتاج إلى انتظام، وإدارة، وقياس، ومتابعة، وانضباط. لكن التشغيل يصبح خطرًا حين يتحول إلى غاية.

فإذا أصبحت وزارات التعليم مشغولة بتدوير العام الدراسي أكثر من انشغالها بتصميم الإنسان، فسوف تنجح في إدارة الحركة، وتفشل في تغيير الاتجاه.

وقد يكون أخطر إخفاق في التعليم هو أن يعمل النظام بانتظام شديد، وهو يقود المجتمع إلى المكان الخطأ.

لهذا يجب أن ينتقل التخطيط التعليمي من منطق المبادرات المتفرقة إلى منطق المشروع الطويل. المبادرة قد تحل مشكلة جزئية، أما المشروع فيعيد ترتيب العلاقة بين: الغاية، والمنهج، والمعلم، والطالب، والتقنية، والتقييم، والبيانات، وسوق العمل، والقيم.

المبادرة تسأل: ماذا نطلق هذا العام؟

أما المشروع فيسأل: ماذا سيتغير في الإنسان بعد عشرين عامًا؟

ولكي يصبح هذا الكلام قابلاً للتطبيق، يجب أن تمتلك وزارات التعليم خريطة واضحة لمواصفات الخريج. هذه الخريطة لا تكون شعارًا عامًا، بل وثيقة تشغيلية تقود المنهج، والتقييم، وإعداد المعلم، وتصميم البيئة المدرسية.

يجب أن تقول بوضوح: ما المهارات التي لا يجوز أن يغادر الطالب المدرسة من دونها؟ ما القيم التي يجب أن يحملها؟ ما القدرات التي تجعله قادرًا على القيادة لا على التكيف فقط، في زمن الثورة الصناعية الرابعة، زمن البيانات والذكاء الاصطناعي؟

ومن هنا يبدأ الفعل من حيث يبدو صعبًا: أن تربط الوزارة نفسها بمؤشرات المشروع، لا بمؤشرات التشغيل وحدها.

مؤشرات التشغيل تقيس الحركة: كم طالبًا سُجِّل، وكم نُقل، وكم نجح، وكم منصّةً أُطلقت.

أما مؤشرات المشروع فتقيس الأثر: هل وجد الخرّيج موقعًا في سوق العمل؟ وهل يستطيع أن يتعلّم مهارةً جديدة حين تتبدّل مهنته؟ وهل يُحسن الحكم على المعلومة والأداة، ويصمد بثقةٍ في عالمٍ تتنامى فيه قدرات الروبوت والذكاء الاصطناعي؟

حين تقبل الوزارة أن تُقاس بهذه المؤشرات البعيدة، تكون قد عبرت — عملًا لا شعارًا — من التشغيل إلى المشروع.

كما يجب أن تُراجع المدرسة بوصفها تجربة إنسانية يومية. هل يشعر الطالب أنه معروف باسمه وقدرته، أم أنه رقم في فصل؟ هل يرى المعلم وقتًا للتأمل والتوجيه، أم أنه محاصر بالإجراءات؟ هل يخدم التقويم نمو الطالب، أم يختزل مستقبله في لحظة اختبار؟

هذه الأسئلة تبدو بسيطة. لكنها تكشف بسرعة إن كان النظام يبني الإنسان، أم يدير الحضور والانصراف والمحتوى والدرجات فقط.

في زمن الذكاء الاصطناعي، تصبح الكرامة جزءًا من جودة التعليم. فالتعليم الجيد ليس هو الذي يعرف عن الطالب كل شيء، بل الذي يعرف ما يكفي ليساعده من غير أن يسلبه حقه في المفاجأة والتغير.

الطالب ليس مسارًا متوقعًا بالكامل، ولا نتيجة قابلة للحساب النهائي.

إنه إنسان قابل للنمو. وقد يفاجئ المدرسة إذا وجدت فيه ما لم تكشفه الاختبارات المبكرة.

ومن هنا تصبح العدالة التعليمية أكثر تعقيدًا، وأكثر ضرورة أيضًا.

فالعدالة لم تعد تعني أن نقدم الشيء نفسه للجميع فقط. العدالة تعني أن نعرف الفروق من غير أن نحولها إلى وصمة، وأن نفتح مسارات متعددة من غير أن نصنع طبقات مغلقة بين الطلاب، وأن نستخدم البيانات لمساعدة الأضعف لا لتبرير استبعاده.

هذه هي العدالة التي يحتاجها التعليم في عصر الخوارزميات.

والبعد الزمني في التعليم يجب أن يكون حاضرًا في كل قرار. قرار المنهج اليوم يظهر أثره في سوق العمل بعد سنوات. قرار إعداد المعلم اليوم يظهر أثره في شخصية آلاف الطلاب.

قرار إدخال الخوارزمية اليوم قد يغير علاقة جيل كامل بالتقييم والثقة والفرصة.

لهذا لا يجوز أن تُتخذ قرارات التعليم بعقلية الاستجابة السريعة فقط.

التعليم يعمل في الزمن الطويل، حتى عندما تبدو أدواته فورية.

أما البعد الإنساني فهو مركز المشروع كله. التقنية تتغير، والمنصات تتغير، والوظائف تتغير، لكن الإنسان يبقى هو الغاية.

وإذا فقد التعليم هذا المعنى، فقد يتحول إلى مصنع مهارات قصيرة العمر. أما إذا حافظ عليه، فسيصبح الذكاء الاصطناعي فرصة لبناء تعليم أعدل وأعمق، وأقدر على رؤية الطالب كما هو، وعلى مساعدته ليصبح أفضل مما هو.

قد لا يكون المطلوب الآن تقديم وصفة جاهزة لإصلاح التعليم. القضايا الكبرى لا تبدأ عادة من الإجابات السريعة، بل من القدرة على رؤية السؤال في حجمه الحقيقي.

والسؤال اليوم ليس: كم منصة لدينا؟ ولا كم أداة ذكاء اصطناعي دخلت الصف؟

السؤال الأهم: هل ما زلنا نبني الإنسان بعقلية عصر لم يعد موجودًا؟

إذا أرادت وزارات التعليم أن تكون صاحبة مشروع، فعليها أن تبدأ من هذه النقطة: التعليم ليس تشغيلًا لسنة دراسية، بل بناء لقدرة المجتمع على الحكم، والقيادة، والتجدد.

وحين يتخرج جيل قادر على بناء تصور تراكمي للتطور، فلن يكتفي بتشغيل النظام الذي ورثه. سيملك الشجاعة والمعرفة والخيال لاستبداله حين يصبح عائقًا، وسيعرف كيف يصمم نظامًا أعدل للإنسان، وأصلح للزمن، وأقدر على المستقبل.

السؤال الذي ينبغي أن يبدأ من وزارات التعليم في العالم، قبل أن يطرحه المجتمع عليها، هو سؤالها لنفسها ولمنسوبيها: هل نحن أصحاب مشروع، أم مشغلو نظام؟

فليس المقصود التقليل من الجهد المبذول. ففي التعليم جهود صادقة ونوايا مخلصة. لكن الخطر أن يعيش العاملون فيه صراعًا داخليًا بين كثافة العمل وضعف الأثر، وبين كثرة المبادرات وبقاء النتائج دون الطموح.

هنا يظهر الفارق العميق بين: من يملك مشروعًا يبني الإنسان القادم، ومن يكتفي بتشغيل نظام ورثه من الماضي.

صاحب المشروع يرى المستقبل قبل المؤشر، ويرى أثر الجيل قبل تقرير العام، ويربط التقنية بالمعرفة وبحاجة الإنسان.

أما مشغل النظام، فيحسن إدارة اليوم، لكنه قد يترك الغد يدور في الحلقة نفسها.

ولهذا لا تنتهي قيمة هذا السؤال عند حدود المقال؛ بل تبدأ بعد قراءته، حين يحمله كل منتسب للتعليم في داخله كمرآة هادئة: هل ما أفعله يضيف لبنة في مشروع الإنسان القادم، أم يمد في عمر نظام يعرف كيف يستمر أكثر مما يعرف كيف يتجدد؟

لكنّ المرآة الهادئة وحدها لا تكفي. فالسؤال الذي يُطرح في الداخل فقط يَخفُت تحت زحام العمل.

لهذا ينبغي أن ينتقل من مرآةٍ فردية إلى سؤالٍ عامّ يحمله المجتمع والدولة معًا، يسأله كلٌّ منهم نفسه قبل أن يسأله غيره: هل نحن أصحاب مشروعٍ لتشكيل إنسان المستقبل، أم مشغّلو نظامٍ ورثناه؟

حين تسأله الدولة، والأسرة، ويسأله الإعلام، ويسأله سوق العمل والجامعة، ويتحوّل إلى حِراكٍ فكريّ بنّاء يشارك فيه الجميع — لا لتوجيه اللوم، بل لتجديد الاتجاه — فإنّ مجرّد تكراره يُعيد ضبط البوصلة. لأنّ من يُسأل عن غايته باستمرار يصعب عليه أن ينساها، ومن لا يُسأل يطمئنّ إلى الحركة ولو ضلّ الاتجاه.

والسؤال، في النهاية، سؤال كل أمةٍ تريد أن تدخل عصر الذكاء الاصطناعي صاحبةَ قرار، لا متلقّيةً للقرار:

من هو صاحب مشروع تشكيل إنسان المستقبل؟

فإن لم تملك الجواب بعد، فقد بدأت، على الأقل، طرح السؤال الصحيح.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.