هل تساءلت يومًا لماذا يُسمح للمترف التقليدي والوارث للامتيازات أن يستعرض ثراءه كأنه حق طبيعي ممتد من الأزل، بينما يُطالَب الكادح الذي اغتنى بكفاحه وعرق جبينه بأن يمارس "أدبيات الزهد والرضا بالواقع القديم"، ويُوصم فورًا بأنه مجرد "حديث نعمة" (New Money)؟
هذا التساؤل المربك يضعنا مباشرة أمام واحدة من أكثر آليات الدفاع النفسي والاجتماعي خباثة؛ حيث لا يتحول مصطلح "حديث النعمة" هنا إلى مجرد وصف اقتصادي لشخص كسب المال حديثًا، بل يتحول إلى "مقصلة طبقية ونفسية" يرفعها المتنمرون لتعويض عجزهم وتسميم نجاح الآخرين.
في السيكولوجيا الطبقية، يعتقد الأثرياء بالوراثة، أو أولئك المتماهون معهم من الطبقات الكسولة، أن الثراء جينات وثقافة وسلوك احتكاري موروث لا يجوز اختراقه، ولذلك عندما يقتحم شخص كادح صنع نفسه من الصفر هذا النادي المغلق، فإنه يكسر وهم "الاستحقاق الوراثي" ويعرّي عجز الآخرين، مما يصيب نرجسيتهم الدفاعية بصدمة عنيفة، لتلجأ الأنا (Ego) عند المتنمر فورًا إلى حيلة "التبخيس" (Devaluation) وفق أدبيات التحليل النفسي الكلاسيكي، فيعمد إلى التنمر على ذوق الثري الجديد، أو أسلوب حياته، أو طريقة إنفاقه، في محاولة بائسة للحط من قيمة كفاحه وتحويل إنجازه العظيم إلى مجرد طفرة مادية تفتقر إلى عراقة السلالة، لكي يشعر المتنمر، الذي لم يكافح يومًا، أنه ما زال متفوقًا عليه معنويًا وثقافيًا.
وهنا يكمن الخبث النفسي الأشد خطورة، حيث يتم قلب أدبيات "الرضا بالأمر الواقع" و"القناعة" وتوجيهها حصرًا نحو هذا العصامي، ليمارس المجتمع ضده نوعًا من الفرز القيمي السادي؛ فيرون أن الغني القديم من حقه البذخ المطلق، أما هذا القادم من عرق الجبين فعليه أن "يرضى بواقعه القديم" في سلوكه وهيئته، وإلا اعتبروه متصنعًا وصاخبًا، وهو سلوك يفسره التحليل النفسي عند ميلاني كلاين بأنه أشرس أدوات الحاسد التي تسعى إلى "إفساد الشيء الجيد وتدمير متعة الاستحقاق"، فالمتنمر يعلم في قرارة نفسه أنه عاجز عن خوض نفس الكفاح، وبما أنه لا يملك القدرة على صناعة واقع مماثل، فإنه يوجه طاقته العدوانية لتسميم فرحة الآخر وإشعاره بالذنب، وجعله يشعر دائمًا بأنه "مزيف" أو عارٍ أمام مجتمع يترصد هفواته، تمامًا كما يختصر العقل الشعبي هذه السادية التاريخية في مثله البليغ "يحسدون الفقير على موتة الجمعة"، حيث تمتد عين الحاسد لتسلب الضعيف حتى القيمة المعنوية والروحية التي لا تضر أحدًا.
إن هؤلاء الذين يلجأون إلى حيلة وصم المكافحين بـ (New Money) والسخرية منهم تحت غطاء أدبيات الرضا الواهم، يعانون في الحقيقة من "كسل إبداعي وعجز وجودي"، فهم استخدموا جدار الاستعلاء الطبقي والتهكم ليغطوا على حقيقة مرعبة في لاوعيهم، وهي أن هذا الشخص البسيط استطاع بجهده وعرقه تغيير قدره وصناعة واقع جديد، بينما هم ما زالوا واقفين في أماكنهم يقتاتون على موروث قديم أو يندبون حظهم، ولذلك فإن هذا التنمر ليس نقدًا ذوقيًا ولا حرصًا على فضيلة القناعة، بل هو حسد طبقي ناعم يمثّل صرخة عجز من قِبل أشخاص يُرعبهم أن يروا كاريزمية العصامية وعرق الجبين وهي تتفوق في نهاية المطاف على ركود الامتيازات الجاهزة.

